وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: مَرَرْتُ بِدَارٍ الذِّرَاعُ بِدِرْهَمٍ وَبِبُرٍّ قَفِيزٌ بِدِرْهَمٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَتَّصِلَ بِالْأَوَّلِ بِالْعَائِدِ، وَإِنَّمَا يُحْذَفُ الْعَائِدُ فِيهِ، لِأَنَّ الثَّانِي تَبْعِيضٌ لِلْأَوَّلِ مَرَرْتُ بِبُرٍّ بَعْضُهُ بِدِرْهَمٍ، وَبَعْضُهُ بِدِرْهَمٍ؛ فَلَمَّا كَانَ الْمَعْنَى التَّبْعِيضُ حَذَفَ الْعَائِدَ قَالَ: وَأَمَّا ابْتِدَاءُ «إِنَّ» فِي كُلِّ مَوْضِعٍ إِذَا طَالَ الْكَلَامُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَبْتَدِئَ إِلَّا بِمَعْنَى: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ جَوَّابٌ لِلْجَزَاءِ، كَأَنَّهُ قَالَ: مَا فَرَرْتُمْ مِنْهُ مِنَ الْمَوْتِ، فَهُوَ مُلَاقِيكُمْ وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي عِنْدِي أَوْلَى فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ لِلْعِلَلِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَتَرَى يَا مُحَمَّدُ الظَّالِمِينَ يُعْرَضُونَ عَلَى النَّارِ {خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ}
يَقُولُ: خَاضِعِينَ مُتَذَلِّلِينَ.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: «قَدْ أَذَلَّهُمُ الْخَوْفُ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ وَخَشَعُوا لَهُ»
وَقَوْلُهُ: {يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ}
يَقُولُ: يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ الظَّالِمُونَ إِلَى النَّارِ حِينَ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: {مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: مِنْ طَرْفٍ ذَلِيلٍ وَكَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: مِنْ طَرْفٍ قَدْ خَفِيَ مِنْ ذِلَّةٍ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ يُسَارِقُونَ النَّظَرَ
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ فِي ذَلِكَ: جَعَلَ الطَّرْفَ الْعَيْنَ، كَأَنَّهُ قَالَ: وَنَظَرُهُمْ مِنْ عَيْنٍ ضَعِيفَةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ: وَقَالَ يُونُسُ: إِنَّ {مِنْ طَرْفٍ} مِثْلُ بِطَرْفٍ، كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: ضَرَبْتُهُ فِي السَّيْفِ، وَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ وَقَالَ آخَرُ مِنْهُمْ: إِنَّمَا قِيلَ: {مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ} لِأَنَّهُ لَا يَفْتَحُ عَيْنَيْهِ، إِنَّمَا يَنْظُرُ بِبَعْضِهَا.