إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ أي إن في أمر السفن المذكور وجريها في البحر لدلالة عظيمة على قدرته تعالى، لكثير الصبر على الشدائد والبلايا وعلى طاعة الله، كثير الشكر على النعماء. وهذه جملة معترضة.
أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا، وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ أي وإن يشأ يهلكهنّ بالغرق بما كسبوا من الذنوب، ويعف عن كثير من ذنوبهم، أو عن كثير منهم، فينجيهم من الغرق، ولو آخذهم بجميع ذنوبهم، لأهلك كل من ركب البحر.
وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ أي لينتقم منهم ويعلم حينئذ الذين ينازعون في آيات الله مكذبين بها أنه لا مفر ولا مهرب ولا ملجأ من عذاب الله، فإنهم مقهورون بقدرة الله وسلطانه.
وبعد بيان أدلة التوحيد حذر الله تعالى من الاغترار بالدنيا، فقال:
فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا أي إن كل ما أعطيتم من الغنى والسعة في الرزق والجاه والسلطان، فإنما هو متاع قليل في الدنيا يتمتع به في زمن قصير، ثم سرعان ما ينقضي ويذهب، لأن الدنيا فانية زائلة لا محالة، ويلاحظ أن الذي يمنع من قبول دلائل التوحيد إنما هو الرغبة في الدنيا ومطامعها بسبب الرياسة وطلب الجاه، لذا حذر تعالى من الاغترار بالدنيا، ورغّب في الآخرة، فقال:
وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا، وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أي وما عند الله من ثواب الطاعات وجزاء الجنات خير من متاع الدنيا، وأبقى وأدوم، لأنه لا ينقطع، ومتاع الدنيا ينقطع بسرعة، فلا تقدموا الفاني على الباقي. وهو خير
وأبقى للذين صدّقوا بالله ورسوله، وعلى ربهم يعتمدون في كل شؤونهم، ويفوضون إليه أمورهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
1 -إن الإمداد بالرزق يخضع لحكمة الله ومشيئته، فيعطي بقدر الحاجة، وعلى وفق المصلحة، فلو بسط الله الرزق لعباده، لوقعوا في المعاصي، وبغى بعضهم على بعض، لأن الغنى مبطرة مأشرة، وكفى بقارون وفرعون عبرة، ولذا قال تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى [العلق 96/ 6 - 7]