ثم ذكر سبحانه الطائفة التي تنتصر ممن ظلمها ، فقال: {والذين إِذَا أَصَابَهُمُ البغى هُمْ يَنتَصِرُونَ} أي: أصابهم بغي من بغى عليهم بغير الحق ، ذكر سبحانه هؤلاء المنتصرين في معرض المدح كما ذكر المغفرة عند الغضب في معرض المدح ؛ لأن التذلل لمن بغى ليس من صفات من جعل الله له العزة حيث قال: {وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 8] ، فالانتصار عند البغي فضيلة ، كما أن العفو عند الغضب فضيلة.
قال النخعي: كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم ، فيجترئ عليهم السفهاء ، ولكن هذا الانتصار مشروط بالاقتصار على ما جعله الله له وعدم مجاوزته كما بينه سبحانه عقب هذا بقوله: {وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا} ، فبيّن سبحانه أن العدل في الانتصار هو: الاقتصار على المساواة ، وظاهر هذا العموم.
وقال مقاتل ، والشافعي ، وأبو حنيفة ، وسفيان: إن هذا خاص بالمجروح ينتقم من الجارح بالقصاص دون غيره.
وقال مجاهد ، والسدّي: هو جواب القبيح إذا قال: أخزاك الله يقول: أخزاك الله من غير أن يعتدي ، وتسمية الجزاء سيئة إما لكونها تسوء من وقعت عليه ، أو على طريق المشاكلة لتشابههما في الصورة.
ثم لما بيّن سبحانه أن جزاء السيئة بمثلها حق جائز بين فضيلة العفو ، فقال: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله} أي: من عفا عمن ظلمه ، وأصلح بالعفو بينه ، وبين ظالمه أي: أن الله سبحانه يأجره على ذلك ، وأبهم الأجر تعظيماً لشأنه ، وتنبيهاً على جلالته.
قال مقاتل: فكان العفو من الأعمال الصالحة ، وقد بينا هذا في سورة آل عمران.
ثم ذكر سبحانه خروج الظلمة عن محبته التي هي سبب الفوز ، والنجاة ، فقال: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظالمين} أي: المبتدئين بالظلم قال مقاتل: يعني: من يبدأ بالظلم ، وبه قال سعيد بن جبير.
وقيل: لا يحبّ من يتعدّى في الاقتصاص ، ويجاوز الحدّ فيه ؛ لأن المجاوزة ظلم.