ثم ذكر سبحانه آية أخرى من آياته العظيمة الدالة على توحيده ، وصدق ما وعد به ، فقال: {وَمِنْ ءاياته الجوار} قرأ نافع ، وأبو عمرو: (الجواري) بإثبات الياء في الوصل ، وأما في الوقف ، فإثباتها على الأصل ، وحذفها للتخفيف ، وهي: السفن واحدتها جارية أي: سائرة {فِى البحر كالأعلام} أي: الجبال جمع علم ، وهو الجبل ، ومنه قول الخنساء:
وإن صخراً لتأتمّ الهداة به... كأنه علم في رأسه نار
قال الخليل: كلّ شيء مرتفع عند العرب ، فهو علم.
وقال مجاهد: الأعلام القصور واحدها علم {إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الريح} قرأ الجمهور بهمز: {يشأ} ، وقرأ ورش عن نافع بلا همز.
وقرأ الجمهور: {الريح} بالإفراد ، وقرأ نافع: (الرياح) على الجمع ، أي: يسكن الريح التي تجري بها السفن {فَيَظْلَلْنَ} أي: السفن {رَوَاكِدَ} أي: سواكن ثوابت {على ظَهْرِهِ} البحر ، يقال: ركد الماء ركوداً: سكن ، وكذلك ركدت الريح ، وركدت السفينة ، وكل ثابت في مكان ، فهو راكد.
قرأ الجمهور: (فيظللن) بفتح اللام الأولى ، وقرأ قتادة بكسرها ، وهي لغة قليلة.
{إِنَّ فِى ذَلِكَ} الذي ذكر من أمر السفن {لأَيَاتٍ} دلالات عظيمة {لّكُلّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} أي: لكل من كان كثير الصبر على البلوى كثير الشكر على النعماء.
قال قطرب: الصبار الشكور الذي إذا أعطي شكر ، وإذا ابتلي صبر.
قال عون بن عبد الله:
فكم من منعم عليه غير شاكر... وكم من مبتلي وهو غير صابر
{أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا} معطوف على يسكن ، أي: يهلكهنّ بالغرق ، والمراد: أهلكهن بما كسبوا من الذنوب ، وقيل: بما أشركوا.
والأوّل أولى ، فإنه يهلك في البحر المشرك وغير المشرك ، يقال: أوبقه ، أي: أهلكه {وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ} من أهلها بالتجاوز عن ذنوبهم ، فينجيهم من الغرق.
قرأ الجمهور: {يعف} بالجزم عطفاً على جواب الشرط.