وعلى كلا المعنيين فقوله: {ويمح الله الباطل} كلامٌ مستأنف ليس معطوفاً على جزاء الشرط إذ ليس المعنى على: إنْ يشأ الله يمحُ الباطل، بل هو تحقيق لمحوه للباطل كقوله تعالى: {إن الباطل كان زهوقاً} [الإسراء: 81] ، كما دل عليه رفع {ويحقُّ الحق بكلماته} ، ففعل {يمحُ} مرفوع وحقه ظهور الواو في آخره، ولكنها حذفت تخفيفاً في النطق، وتبع حذفَها في النطق حذفُها في الرسم اعتباراً بحال النطق كما حذف واو {سندعُ الزبانية} [العلق: 18] وواو {ويدْع الإنسان بالشر دعاءه بالخير} [الإسراء: 11] .
وذكر في"الكشاف"أن الواو ثبتت في بعض المصاحف ولم يعيّنه ولا ذكره غيره فيما رأيت.
وإظهار اسم الجلالة في قوله: {ويمح الله الباطل} دون أن يقول: ويمحُ الباطل، لتقوية تمكن المسند إليه من الذهن ولإظهار عناية الله بمحو الباطل.
وإنما عُدل على الجملة الاسمية في صوغ {ويمح الله الباطل} فلم يقل: والله يمحو الباطل، لأنه أريد أن ما في إفادة المضارع من التجدد والتكرير إيماء إلى أن هذا شأن الله وعادته لا تتخلف ولم يقصد تحقيق ذلك وتثبيته لأن إفادة التكرير تقتضي ذلك بطريق الكناية فحصل الغرضان.
والباء في {بكلماته} للسببية، والكلمات هي: كلمات القرآن والوحي كقوله {يريدون أن يبدّلوا كلام الله} [الفتح: 15] ، أو المراد: كلمات التكوين المتعلقة بالإيجاد على وفق علمه كقوله: {لا مبدل لكلماته} [الكهف: 27] .
وإنما جاء هذا الرد عليهم بأسلوب الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم لأن ذلك أقوى في الاعتناء بتلقينه جواب تكذيبهم لأن المقام مقام تفظيع لبهتانهم، وهذا وجه التخالف بين أسلوب هذه الآية وأسلوب قوله تعالى: {قل لو شاء الله ما تلوتهُ عليكم ولا أدْرَاكُم به} [يونس: 16] لأن ذلك لم يكن مسوقاً لإبطال كلام صدر منهم.