وقيل المعنى لو شئنا لجعلنا الماء كله مجاً بحيث نجعل الملح يصعد مع البخار بطرائق أخرى، لأن كل ماء عذب في الأرض كان أجاجا في الأصل إذ هو آت من ماء البحار. إنك تعرف أن الأرض ربعها يابس وثلاثة أرباعها ماء، هذا الماء كله ماء مالح ومنه يقطر الله للإنسان والحيوان والنبات ما لا غنى لهم عنه من الماء العذب. فأصل كل المياه العذبة من البحار والمحيطات تتبخر دائماً وباستمرار فيتكاثف فينزل مطراً بقدرة الله تعالى، ولولا وجود هذه المحيطات والبحار لخلت الأرض من المياه العذبة.
الضابط اللغوي في التفسير العلمي:
قال أبو حيان في قوله تعالى: (الذي تشربون) هذا الوصف يغني عن وصفه بالعذب. ألا ترى مقابله، وهو الأجاج وقد وضح سياق الآية هذا الماء العذب الصالح للشرب بطريقة الاستفهام والرؤية إن كانت بمعنى العلم فمتعلقة بالاستفهام. وذكر الآلوسي في قوله تعالى (أفرأيتم الماء الذي تشربون) أنه خصص هذا الوصف بالذكر مع كثرة منافعه لأن الشراب أهم المقاصد المنوطة به. وقال أيضاً أنه قيل المزن السحاب الأبيض وماؤه أعذب.
ومن أقوال المفسرين واللغويين نستنتج أن الله وصف بقوله تعالى الماء بالعذب الشديد العذوبة حين وصفه بقوله (الذي تشربون) فقوله تشربون يدل على المخاطب الذي وجه إليه الاستفهام وهو الإنسان دون الحيوان والنبات وإن اشتركا في المنفعة بهذا الماء العذب فقد يستفيد الحيوان والنبات من
المياه الأقل عذوبة من هذا كما أشار المعجميون إلى هذه المياه الذي لا تبلغ أن تكون أجاجا يشربه المال ولا يشربه الناس وهو المسمى بالمُخْضِم. إضافة إلى ما قيل أن المزن السحاب الأبيض وماؤه أعذب فقد وصف ماء المزن (بالأعذب) وهو اسم تفضيل يدل على شدة عذوبته عن باقي المياه.