قوله تعالى: (أفرأيتم الماء الذي تشربون) أي العذب الصالح للشرب (أأنتم أنزلتموه من المزن) من السحاب واحده مزنة وقيل المزن السحاب الأبيض وماؤه أعذب (أم نحن المنزلون) له بقدرتنا (لو نشاء جعلناه اجاجا) ملحاً شديد الملوحة أو من الأجيج فإنه يحرق الفم أو مرا زعاقاً (فلولا تشكرون) أي فهلا تشكرون أمثال هذه النعم الضرورية.
التفسير العلمي:
يقول الغمراوي: إن الهواء أربعة أخماسه أزوت، والأزوت أيضاً لا يكاد يتحد في العادة بشيء ولا بالأوكسجين الذي يكاد يتحد بكل شيء، لكن الكمياويين وجدوا أنهم يستطيعون بالكهربائية أن يحولوا الأزوت غير الفعال إلى أزوت فعال يتحد بأشياء كثيرة في درجة الحرارة العادية، كما وجدوا أنهم يستطيعون أن يحملوا الأزوت على الاتحاد بالأكسجين بإمرار الشرر الكهربائي في مخلوط منهما، ومن هذا الاتحاد ينشأ بعض أكاسيد للأزوت قابل للذوبان في الماء، وإذا ذاب فيه اتحد به وكون حمضين أزوتيين أحدهما حمض الأزوتيك، أو ماء النار كما كان يسميه القدماء، وإليه يصير الحمض الثاني.
وقليل من حمض الآزوتيك في الماء كاف لإفساد طعمه، وهكذا يمكن معرفة الطريق الذي يمكن أن ينقلب به ماء المطر ماء أجاجا من غير خرق لأي سنة من سنن الله الكونية، فهو نفس الطريق الكهربائي الذي يتكون به المطر، وكل الذي يلزم هو أن يعتدل أو يتكيف التفريغ الكهربائي ويتكرر في الهواء. وما يكون من أكاسيد الآزوتية يذوب في ماء السحاب، ويحوله حمضياً لا يسيغه الناس. وهذا هو موضع المن من الله على الناس، إنه يكيف التفريغ بالصورة التي ينزل بها المطر ولا يؤج بها الماء. إن شيئا من ذنيك الحمضين لا بد أن ينزل في ماء العواصف، وهذا ضروري للحياة لأنه يتحول في الأرض إلى الأزوتات الضرورية لحياة النبات. لكن الله برحمته وحكمته يقدر تكونه بحيث لا يتأذى به إنسان أو حيوان ... ولو شاء الله لكثره في ماء المطر فأفسده على الناس.