ومن هذا يتبين لنا أنه يمكن إرجاع الضمير في قوله تعالى (برقة) على البرد وهو الأظهر لأنه الأقرب وهذا لا يعني تخطئة المفسرين القدامى لأن البرد هو جزء من جسم السحاب وأن القرآن الكريم يخاطب جميع الأزمان فإلى أن تصل علومهم إلى المعرفة الدقيقة في أسباب تكون البرد يمكن فهم النص القرآني وبكل إيجاز ودقة كما جاء به العلم الحديث وهذا من إعجاز القرآن الكريم في نظمه وعلومه.
ولهذا استبعد المفسرون رجوع الضمير إلى البرق فقد قال الآلوسي (يكاد سنا برقه أي ضوء برق السحاب الموصوف بما مر من الإزجاء والتأليف وغيرهما وإضافة البرق إليه قبل الإخبار بوجوده للإيذان بظهور أمره واستغنائه عن التصريح به وعلى ما سمعت عن أبي بجيلة لا يحتاج إلى هذا ورجوع الضمير إلى البرد أي برق البرد الذي يكون معه ليس بشيء) .
واختلف اللغويون في الفعل كاد وكذلك المفسرون وفي قوله تعالى (يكاد سنا برقه يذهب الأبصار) فيرى أكثر المفسرين أنه بمعنى يقارب وقد روي عن ابن عباس قال كل ما في القرآن كاد فهو ما لا يكون واستشهد بقوله تعالى يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار قال ولم يذهبها. وقال القرطبي يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار وفي كلام العرب: كاد النعام يطيرا وكاد العروس يكون أميرا لقربهما من تلك الحال.
أما ما نقل عن ابن قتيبة أنه قال: (كاد بمعنى هم ولم يفعل وقد جاءت بمعنى الإثبات قال ذو الرمة:
ولو أن لقمان الحكيم تعرضت ... لعينيه مي كاد ... يبرق
أي لو تعرضت له لبرق أي دهش وتحير.
ومن هنا يتبين دقة التعبير القرآني في استعمال الفعل كاد في قوله (يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار) فقد عبر تعبيراً دقيقاً عن العمى المؤقت الذي يصيب الرائي لسنا برقه فهو عمى يزول بعد مدة من الزمن ولهذا خير فعل يعبر عن هذا العمى المؤقت هو الفعل كاد يدل على دقة التعبير في القرآن الكريم.