قال ابن عرفة: النأي عن الشيء البعد منه أقوى من الإعراض عنه، فلذلك عطفه عليه أو يكون الاعتراض من صفة المؤمن، والنأي من صفة الكافر أو هو قدر مشترك بين الجميع، وعبر هنا بالفعل مبالغة في ذمه بمطلق الإعراض، ثم عبر بالاسم، في قوله تعالى: (فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ) مبالغة في ذمه بكثرة الإلحاح وملازمته له عند نزول الشدائد به.
قوله تعالى: (وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ) .
لأن العرض يستلزم الطول فكل عريض طويل والطويل قد لَا يكون عريضا.
ابن عرفة: هذا لَا يصح، فإن الطول والعرض أمران نسبيان، فالشيء لَا بد له من طول وعرض، وكذلك الخيط لَا بد له من طول وعرض، والصواب كأن يقول: عظم العرض يستلزم الطول، والطول لَا يستلزم العرض، بدليل المفتول والحبل فإنهما طويلان قليلا العرض بخلاف ما لو كان الشيء كثير العرض، فإن طوله إما أن يكون قدر عرضه، أو أعظم منه، ولا يكون أقل منه أصلا بوجه.
قلت: وأفصح ابن عطية في سورة آل عمران (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ) فقال: الطول لَا يدل على قدر العرض بل قد يكون الطويل قليل العرض كالخيط، وانظر على الذم على مجموع أو على كل واحد منهما.
قيل لابن عرفة: لو كان الذم على مجموعها للزم عليه المفهوم، فقال: يكون مفهوم أحرى لأنه إذا ذم على الإعراض عند النعمة والدعاء عند الشدائد، فأحرى أن يلزم عن الإعراض عند النعمة، وعدم الدعاء عند الشدائد.
قوله تعالى: (عَرِيضٍ) .
إشارة إلى أنه ذو دعاء لكنه يعظم دعاءه، والحاجة عند الشدائد، وفرق بين قولك: هذا الثوب ذو عرض، وهذا الثوب عريض، فعريض أبلغ فعبر في الأول، بقوله: (إِذَا أَنْعَمْنَا) ، وفي الثاني بالقسم إشارة إلى المبالغة من حيث إنه يعرض عند حلول كمال النعمة به، ويصح في الدعاء عند نزول أوائل السور، وأسند النعمة إلى الله تعالى والمس إلى الشر على جهة الأدب.
قيل لابن عرفة: بل هو حقيقة عند المعتزلة، فقال: لَا لأنهم يقولون: إن الأمراض والعلل ليست من فعل العبد، وعطفه هنا وفي الأحقاف بالواو، قوله تعالى: (مَنْ أَضَلُّ) .