وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ) .
قَالَ بَعْضُهُمْ: (آذَنَّاكَ) : أسمعناك.
وقيل: أعلمناك.
والأشبه أن يكون معنى (آذَنَّاكَ) : أخبرناك؛ إذ اللَّه تعالى كان عالما بذلك، وإعلام العالم لا يتحقق، أما الإخبار للعالم عن الشيء يتحقق بما علم به، واللَّه أعلم.
ثم اختلف في ذلك أنه قول من؟: قَالَ بَعْضُهُمْ: هو قول أُولَئِكَ الكفرة الذين نودوا يومئذ يقولون: أخبرناك أن لم يكن منا أحد شهيدا بذلك، أو يقولون بالشريك، أو بإلهٍ سواك، يخرج على الإنكار والجحود والكذب أنهم لم يقولوا ذلك، ولم يفعلوا، وهو كما ذكر عنهم في آية أخرى: (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا...) الآية، فقالوا: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) ، أنكروا ما كان منهم من الإشراك؛ فعلى ذلك قوله: (آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ) ، أي: لم نشرك بك أحدا، ولم نتخذ من دونك إلها، واللَّه أعلم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ) هذا من قول الأصنام والذين عبدوهم من دون اللَّه في الدنيا، يقولون: ما منا من شهيد على عبادة أُولَئِكَ إيانا، ولا أمرناهم بذلك؛ وهو كقوله؛ (وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ) ، وقولهم: (بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا) ، أخبروا أنهم كانوا غافلين عن عبادتهم إياهم، وأنهم ما أمروهم بها؛ فعلى ذلك قوله تعالى: (آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ) . أي: أخبرناك.
وقوله تعالى: (آذَنَّاكَ) على هذا التأويل هو ما ذكروا: أن كنا عن عبادتكم لغافلين، واللَّه تعالى أعلم.