وقوله تعالى: {وَفِي أَنفُسِهِمْ} [فصلت: 53] يعني: آيات في الأنفس، في الأشخاص، في لحمك ودمك وروحك، في أعضائك وأجزائك، في كل شيء فيك آية لو تدبرت.
الحق سبحانه وتعالى خلق الإنسان من طين، وأخبرنا بكيفية الخلق ومراحله، ومحمد صلى الله عليه وسلم لم يكُنْ عالماً من علماء التشريح ولا يعرف علم الأجنة إنما علَّمه ربه الأعلى، وجاء العلم الحديث ليثبت صدق ما أخبر به في مسألة خلق الإنسان من طين، وأن نسله من سلالة من ماء مهين، وأنه كان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاماً، ثم كسى العظام لحماً.
وها هو العلم يكشف لنا كل يوم عن جديد في أنفسنا وعن عجائب لم نكُنْ نعرفها في أنفسنا من قبل، إنك حين تقرأ آخر ما توصلتْ إليه العلوم في جسم الإنسان تعلم أنك في ذاتك عالمٌ عجيب وبناء محكم دقيق، وصدق القائل:
وَتحسَبُ أنَّكَ جِرْمٌ صَغِير ... وَفِيكَ انْطَوَى العَالَم الأكْبَرُ
وسبق أنْ تحدثنا عن بعض عجائب الخَلْق وقلنا مثلاً: أن حرارة الجسم العادية 37 تجدها حرارة مَنْ يعيش عند خط الاستواء، وحرارة مَنْ يعيش عند القطبين، ومع ذلك لا يحدث استطراق حراري داخل الجسم، فتجد كل عضو من الأعضاء يحتفظ لنفسه بالحرارة التي تناسبه، فالكبد درجة حرارته 40 والعين لا تزيد عن 9، وهما في جسم واحد، ولا يحدث بينهما استطراق حراري.
تأمل الدم سائل الحياة في الجسم كله وكيف يحتفظ لنفسه بدرجة من السيولة لو زاد عنها يحدث نزيف، ولو قلَّتْ تحدث جلطة وشلل والعياذ بالله.
تأمل الكليتين وما فيهما من أسرار وقدرة وإبداع، فالكلية لو حدث لها فشل عن أداء وظيفتها تقوم الأخرى بمهمتها، ويكفي الجسم أن يعيش بكلية واحدة لو فُقدِت الأخرى، لذلك قلنا بتحريم نقل الكلية من شخص لآخر؛ لأن الخالق سبحانه جعل لنا كليتين، كل كلية منهما فيها مليون خلية مستعدة للعمل لا يعمل منها سوى مائة ألف فقط، فإن توقفت هذه المائة تبعتها المائة الثانية وهكذا.
فكيف إذن يحدث الفشل الكلوي؟ قالوا: يحدث من أن المائة ألف أدَّتْ مهمتها ثم توقَّفت ولم تنتبه المائة ألف الثانية لكي تقوم بمهمتها، فحين نأخذ من شخص كليته ونعطيها لشخص آخر نقول: هذا إجرام وانتحار، لأن الكلية الباقية لو توقفتْ لا بدَّ أن يموت الإنسان.
ومن العجائب وآيات الخَلْق سبحانه في الإنسان آية الجلد وما فيه من أسرار، فهمناها من قوله تعالى في الحديث عن عذاب الكافرين: