رووا أنهم كانوا يستخدمون الأفيال في الحروب، ولم يكُنْ العرب يعرفون شيئاً عنها، لكن ألهم الله تعالى سيدنا سعد بن أبي وقاص إلى حيلة يتغلب بها على الفيل، واهتدى إلى أن خرطوم الفيل نقطة ضعف فيه، فصنع لذلك سيوفاً خاصة يضرب بها خراطيم الأفيال فتسقط.
ثم يدخل الإسلام هذه البلاد شرقاً وغرباً في نصف قرن من الزمان، ويجد له أن هناك أنصاراً ومحبين، منهم مَنْ دخل الإسلام طواعية اقتناعاً، ومنهم مَنْ وجد في الإسلام ضالته حيث عدالة الإسلام وسماحته في مقابل جَوْر الحكام هناك وكثرة المظالم والفساد.
هذه كلها آيات نفهمها من قوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ} [فصلت: 53] فالفتح الإسلامي الذي عَمَّ العالم كله آية من الآيات، هذا الانتشار الواسع للإسلام لم تستطيعوا أن تصدوه، لأن الله وعد به عباده المؤمنين ووعد به رسله، والحق سبحانه لما وعد الرسل بالنصرة لم يعدهم سراً إنما في قرآن يُتلى إلى يوم القيامة ويُجهر به، قرآن تكفَّل الله بحفظه وصيانته، والعادة أنك تحفظ ما لك لا ما عليك، أما الحق سبحانه فيحفظ وعده الذي تكفل به لأنه واثق أنه واقع لا محالة.
ومن المعاني التي نفهمها من الاستقبال في {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ} [فصلت: 53] أن المسلمين كانوا في بداية الأمر مضطهدين غير مأمورين بقتال، وربما مات بعضهم قبل أن يتحقق وعد الله بالنصر، فلما قرأوا: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ} [فصلت: 53] علموا أن النصر قادم حتى ولو ماتوا قبل أنْ يروا فرحته.
وتعلمون أن الله لم يأمر المسلمين بالقتال إلا بعد أنْ تمكَّن الإيمان من نفوسهم، واستقرتْ العقيدة في قلوبهم، حتى أن بعضهم يقول لسيدنا رسول الله: يا رسول الله، أليس بيني وبين الجنة إلا أنْ أقاتل هؤلاء فيقتلونني؟ فيقول له رسول الله: بلى فيلقى الرجل تمرة كان يمضغها ويبادر بنفسه إلى ساحة القتال، ويُعجِّل المسير إلى الشهادة لما استقر في نفسه من عقيدة علَّمته أنه ذاهب إلى أفضل مما هو فيه ومُقبلٌ على جنة عَرْضُها السماوات والأرض.
وسوف تظل هذه السين الاستقبالية {سَنُرِيهِمْ} باقية تمدنا بعطاء لا ينتهي حتى قيام الساعة التي ستكون هي الآية الكبرى سنريهم آيات في كل زمان، آيات في صالح هذا الدين ونُصْرة أهله في كل الآفاق.