وقوله تعالى: {ادفع بالتي هي أحسن} آية جمعت مكارم الأخلاق وأنواع الحلم ، والمعنى: ادفع أمورك وما يعرضك مع الناس ومخالطتك لهم بالفعلة أو بالسيرة التي هي أحسن السير والفعلات ، فمن ذلك بذل السلام ، وحسن الأدب ، وكظم الغيظ ، والسماحة في القضاء والاقتضاء وغير ذلك. قال ابن عباس: إذا فعل المؤمن هذه الفضائل عصمه الله من الشيطان وخضع له عدوه ، وفسر مجاهد وعطاء هذه الآية بالسلام عند اللقاء ، ولا شك أن السلام هو مبدأ الدفع بالتي هي أحسن وهو جزء منه ، ثم قال تعالى: {كأنه ولي حميم} فدخل كاف التشبيه لأن الذي عنده عداوة لا يعود ولياً حميماً ، وإنما يحسن ظاهره فيشبه بذلك الولي الحميم.
والحميم: هو القريب الذي يحتّم للإنسان. والضمير في قوله: {يلقاها} عائد على هذه الخلق التي يتضمنها قوله: {ادفع بالتي هي أحسن} . وقالت فرقة: المراد: وما يلقى لا إله إلا الله ، وهذا تفسير لا يقتضيه اللفظ.
وقوله: {إلا الذين صبروا} مدح بليغ للصبر ، وذلك بينّ للمتأمل ، لأن الصبر للطاعات وعن الشهوات جامع لخصال الخير كلها. والحظ العظيم: يحتمل أن يريد من العقل والفضل ، فتكون الآية مدحاً. وروي أن رجلاً شتم أبا بكر الصديق بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم فسكت أبو بكر ساعة ، ثم جاش بها لغضب فرد على الرجل ، فقام النبي عليه السلام فاتبعه أبو بكر وقال: يا رسول الله قمت حين انتصرت ، فقال إنه كان يرد عنك ملك ، فلما قربت تنتصر ، ذهب الملك وجاء الشيطان ، فما كنت لأجالسه ، ويحتمل أن يريد: {ذو حظ عظيمٍ} من الجنة وثواب الآخرة ، فتكون الآية وعداً ، وبالجنة فسر قتادة الحظ هنا.
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (36)