{وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ} [العصر: 1 - 3] .
والتواصي تفاعل بين الناس، بحيث يوصي كلٌّ منهم الآخر، فالطائع يوصي العاصي، وكلُّ واحد منا مُوصٍ في موقف، ومُوصَىً في موقف آخر، لأن الانفعال النفسي بطاعة أو بمعصية لا يدوم، فساعة تنفعل نفسُك للطاعة أَوْصِ مَنْ يعصي، وساعة تنفعل نفسك للمعصية ستجد مَنْ يوصيك وهكذا، لأن النفس ليس لها سيال دائم، وكلٌّ منا يَجْبر ما عند صاحبه، هذا معنى (وتواصوا) أي: فيما بينكم
{بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ} [العصر: 3] .
الحق سبحانه يقسم (والعصر) يعني: والزمن المعدود، يقسم على ماذا؟
{إِنَّ الإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ} [العصر: 2] يعني: جنس الإنسان كُلُّه في خُسْر وضياع وضلال لا يستثنى من ذلك
{إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ} [العصر: 3] .
كأن الحق سبحانه يقول لنا: استقرئوا الزمن وتأملوا التاريخ، انظروا إلى الحضارات الغابرة من قديم الزمان، أين هي؟ ماذا بقي منها؟ حضارة الفراعنة في مصر وما وصلتْ إليه من تقدم في علوم لم نتوصَّل إلى أسرارها حتى الآن مع أننا في عصر التقدم العلمي، حتى الأمريكان عجزوا أن يصلوا إلى أسرارها.
ومع ذلك بادتْ وذهبتْ كلُّ هذه العلوم، لأن أصحابها لم يجعلوا لها صيانة تحميها وتضمن لها البقاء، وكان طغيانُ القوم سببَ هلاكهم
{وَفِرْعَوْنَ ذِى الأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْاْ فِي الْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُواْ فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} [الفجر: 10 - 14] .
بل هناك حضارات أعظم من حضارة الفراعنة، لكنها مطمورة تحت التراب لا نعرف عنها شيئاً، حتى القرآن لما أخبر عنها أعطانا صورة مجملة عبرتْ عن هذه العظمة
{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاَدِ} [الفجر: 6 - 8] .
نعم هذه حضارات كانت في يوم من الأيام مِلءَ السمع والبصر، لكنها لم تملك أسباب البقاء مع هذا التقدم الذي عاشت فيه، ويكفي أن الله قال عنها
{لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاَدِ} [الفجر: 8] ، فكيف كانت إذن؟
وصدق شوقي حين قال: