[محمد: 15] مثلها، ليستْ هي، لماذا؟ قالوا: لأن ألفاظ اللغة توضع لمَعانٍ ومُسمَّيات، ولا بُدَّ أنْ يُوجد المعنى أولاً ثم نضع له اللفظ الدالَّ عليه، فالمعدوم ليس له لفظ يدل عليه، (فالتليفزيون) مثلاً قبل أنْ يخترعوه ماذا كان اسمه؟ لم يكُنْ له اسم، كان معدوماً.
كذلك نعيم الجنة لا توجد في اللغة ألفاظ تدل عليه الآن، لأننا لا نعرفه ولا نعرف أسماء هذه الأشياء، فهي أشياء لم تَرَها عينٌ، ولم تسمعها أذن، ولم تخطر على قلب بشر، فمن أين الألفاظ الدَّالة عليها؟
وقوله: {وَلَكُمْ فِيهَا} [فصلت: 31] أي: في الجنة {مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ} [فصلت: 31] المراد النفوس الإيمانية التي استقامت على طريق الله، فليس في الجنة محرَّم، وليس في الجنة مَنْ يشتهي المحرَّمات، فالنفس تشتهي الحلال، حتى محرَّمات الدنيا إنْ وُجدت في الآخرة فهي شيء آخر نُزِع منه سببُ التحريم.
فالخمر في الدنيا معروف أنها تُذهب العقلَ، وأنه لا لذةَ في شربها، أمَّا خمر الآخرة فقال الله عنها:
{وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ} [محمد: 15.]
وأنت تشاهد في (الأفلام) مثلاً مَنْ يشرب الخمر كيف يشربها؟ يصبُّها في فمه هكذا مرة واحدة، لماذا؟ لأن طعمها كريه يريد أنْ يُمرره من منطقة الذوق بسرعة، أما الذي يشرب كوباً من عصير المانجو مثلاً تراه يرشفه رشفةً رشفةً نقول (يمزمز) فيها، لأن طعمها لذة ورائحتها لذة.
كذلك في كل نعيم الجنة الذي له مثيل في الدنيا تجد الحق سبحانه يُنقِّيه من الشوائب ويُخلِّصه من الأضرار التي نعرفها في الدنيا، تأمل قوله تعالى عن ماء الآخرة:
{أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ} [محمد: 15] يعني: لا يتغير ولا يصيبه عَطَن كماء الدنيا، وفي اللبن قال:
{وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ} [محمد: 15] وقال عن العسل: {وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى} [محمد: 15] .
إذن: لا تقُلْ: خمر كخمر الدنيا، ولا ماء كماء الدنيا، ولا لبن كاللبن الذي تشربه، لا إنما هي نعيم من نوع آخر نقّاه الخالق سبحانه، وصفّاه من شوائبه.
{وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ} [فصلت: 31] يعني: لكم في الجنة كل ما تتمنونه، وكل ما تطلبونه.
{نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ}