ثم يُبيِّن الحق سبحانه جزاء هؤلاء المؤمنين الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا، ما جزاؤهم؟ {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ} [فصلت: 30] نعم ملائكة الله في السماء هذه المخلوقات النورانية التي لا عملَ لها إلا تسبيح الله، فلا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤُمرون، فحين تنزل بالمؤمن شدةٌ أو يصيبه مكروه تتنزَّل عليه هذه الملائكة تُثبِّته فيعود إلى ما يجب أنْ يعودَ إليه من الصبر.
فيقول: لا كربَ وأنت رب، أنا لي رَبٌّ قويٌّ قادر سيُفرِّج هَمِّي ويُزيل كَرْبي.
وهذا حال المؤمن حين يحزبه أمر وتضيق به أسبابه يلجأ إلى المسبِّب سبحانه، فيأتيه الإلهام من الله أنِ اصبر واحتسب، وربما كانت المصيبة امتحاناً من الله، أو كانت تكفيراً لذنب بدر مني فعاقبني الله به في الدنيا وعافاني منه في الآخرة، وهذه علامة حب الله للعبد أنْ يُعجِّل له العقوبة في الدنيا، ويغفرها له في الآخرة.
لذلك كان الكفار يفرحون حين تصيب المؤمنين مصيبة، فعلَّم اللهُ نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول:
{قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} [التوبة: 51] فأنتم تفرحون إنْ نزلتْ بنا مصيبة، ونحن كذلك نفرح بها لأنها من الله، والمصيبة للمؤمن إما يكفِّر اللهُ بها من خطاياه، وإما يرفعه بقدرها درجاتٍ.
وعجيبٌ أن نرى البعض إذا أصابتْه مصيبة أو نزل به ما يكره لا يعالج أسبابها، ولا يفكر في تفاديها بعد ذلك، إنما يلجأ إلى نسيانها ويذهب إلى شُرْب المسكر الذي يساعده على النسيان.
وهذا خطأ فادح، فالنسيان لا يحلُّ مشكلة، إنما يحلُّها التفكير في أسبابها ومعالجة هذه الأسباب، فالمخدِّرات والمسكّرات تذهب بعقلك وتُفسده في وقت أنت في أشدِّ الحاجة إليه، حين يمرُّ الإنسانُ منا بمشكلة يحتاج إلى مزيد فكر، فكيف تذهب بعقلك في وقت أنت في أمسِّ الحاجة إليه؟ ألاّ ترى أنك تستعينُ بغيرك وتستشيره في حَلِّ مشاكلك حينما تضيقُ بك الأسبابُ؟
إذن: انظر إلى المصيبة، ما سببها إنْ كان لك دَخْلٌ فيه، وهي نتيجة تصرُّف خاطئ منك فأنت الملُوم، وعليك أنْ تُعدِّل من تصرفاتك وتعمل حساباً للعواقب، وهذه أول خطوة في طريق الإصلاح، كالطالب يذهب لمعرفة النتيجة آخر العام فيقولون له: أنت راسب فتعيده الصدمةُ إلى صوابه، ويصيح بأعلى صوته هذه الصيحة العقلية الواعية: أنا السبب، أنا المهمل، أنا أستحق.