والاستقامة التي يريدها الله لنا لها أركان بيَّنها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله:"بُنِي الإسلام على خمس: شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً، رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً".
وإياك أن تظن أن الدين في هذه الأركان الخمسة فحسب، لا، هذه هي القواعد والأُسُس التي يقوم عليها بناء الدين، أما الدين تفصيلاً فيتغلغل في كل حركة من حركات الحياة.
وهذه المسألة واضحة في الحديث الشريف:"الإيمان بضع وستون شعبة أو بضع وسبعون شعبة، أعلاها قَوْل لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان".
فالأركان ليست هي كلّ الإسلام بل هي أسسه وقواعده، فالشهادتان إقرار لله تعالى بالألوهية، وإذعانٌ له سبحانه بالطاعة، وتصديق برسوله صلى الله عليه وسلم، وفي الصلاة التي هي كل يوم خمس مرات إعلانٌ للولاء الدائم لله تعالى.
وفي الزكاة تهذيبٌ للنفس وتعويدٌ لها على العطاء والمشاركة والنظر إلى الفقير، فقير الإعاقة عن الحركة لا فقير الاحتراف، في الزكاة تكافلٌ فأنت اليوم قويٌّ قادر على العطاء، فمَنْ يدريك لعلَّك تصير إلى الضعف وعدم القدرة فتجد في المجتمع مَنْ يمد لك يد العون.
ثم إنَّ الزكاةَ تنزع من المجتمع فتيل الحقد والحسد والغيرة، وكيف يحسد الفقيرُ الغني أو يحقد عليه وهو يعطيه ثمرة عرقه ويشركه في ماله؟ إذن: في الزكاة تأمينٌ للفرد المؤمن أعظمَ تأمين.
لذلك قلنا في المجتمع الإيماني: إنك لا تعمل بقدر حاجتك، إنما تعمل بقدر طاقتك، فما احتجتَ إليه فخُذْه، وما لم تحتجْ إليه وزاد عنك فتصدَّق به على غير القادر، أنت تتصدَّق وأنت تذهب بنفسك إلى باب الفقير لتعطيه لتحفظ لأخيك ماءَ وجهه، وتُعفيه من مذلّة السؤال ولتنال أنت هذه الدرجة.
ثم يأتي الحج ليضيفَ إلى هذه المعاني معنىً إيمانياً آخر، فربُّكَ الذي خلقك وأعطاك وأمدَّك ومنحك القدرة والاستطاعة ألاَ يستحق منك أنْ تذهبَ إليه في بيته الذي اختاره لنفسه، ولو مرة واحدة في العمر؟
إنها زيارة ليست بإرادة الضيف وإنما بدعوة من المضيف، لذلك حين تذهب إلى بيت ربك في هذه الفريضة فسوف تُعرِّض نفسك لعطاء آخر ما له حدود، ثم في الحج منافع أخرى دينية ودنيوية لا تَخْفى على المتأمل.