[الواقعة: 68 - 70] .
لكن حين يُحدِّثنا الحق سبحانه عن نعمة النار يتركها دون أنْ يذكر ما ينقضها:
{أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ} [الواقعة: 71 - 72] .
هكذا دون أنْ يذكر ما ينقضها كسابقها، لماذا؟ قالوا: لأن هذه هي النار النافعة الصحية التي لا ضررَ فيها نوقدها لننتفع بها، وكل نار بعدها لها ضرر، لذلك لم يقل الحق سبحانه مثلاً: لو نشاء لجعلناها رماداً، ذلك لتظل النار باقية تُذكِّرنا بنار الآخرة.
ثم لك أنْ تلحظ عظة الأداء القرآني ودقته في التعبير، فلما تكلم عن الزرع قال:
{لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً} [الواقعة: 65] هكذا بلام التوكيد، لماذا؟ ليؤكد قدرته تعالى على الذهاب بالزرع مهما كان، والزرع للإنسان دور فيه وتدخّل، فهو يحرث ويروي ويباشر، إنما حين تكلم عن خَلْق الإنسان وعن الماء لم يذكر في ذلك توكيداً؛ ذلك لأن مسألة الخلق ومسألة نزول الماء من السماء لا دخْلَ للإنسان فيها.
والآيات في كَوْنِ الله كثيرة صنَّفها العلماء إلى ثلاثة أقسام:
آيات كونية: تثبت قدرة الخالق كالليل والنهار والشمس والقمر، ثم آيات معجزات: صاحبتْ رسل الله لتثبت صدقه في البلاغ عن الله، وآخرها آيات الأحكام: وهي آيات القرآن الكريم التي تحمل منهج الله للناس. وهذه كلها تخدم قضية اليقين والإيمان بالله.
فإذا أُشْرِبَ الإنسان العقيدة الإيمانية أعلنها بلسانه فرحاً بها. وهنا يأتي دور اللسان المعبِّر عما في القلب والقائد لباقي الجوارح، لذلك ورد في الحديث الشريف أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ما من يوم إلا وتنادي الجوارحُ اللسانَ تقول: اتق الله فينا، فإنما نحن بك، فإذا استقمتَ استقمنا، وإذا اعوججتَ اعوججنا".
فقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ} [فصلت: 30] دلَّ على قول المؤمنين الذي رسخ الإيمانُ في قلوبهم، فعبَّرت عنه الألسنة {رَبُّنَا اللَّهُ} [فصلت: 30] مُوجدنا ومربِّينا الذي خلقنا من عدم، وأمدنا من عُدْم، وأعطانا الأمن والأمان، لأنه القائل:
{لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} [البقرة: 255] .
فالإنسان إنْ أراد حارساً استأجر له حارساً، فكيف به إذا نام حارسه، أما أنت أيها المؤمن ففي حراسة الله فنَمْ مطمئن القلب، لأن حارسك لا تأخذه سِنَة ولا نوم.