ثم قال تعالى: {لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ} أي لهم في جملة النار دار السيئات معينة وهي دار العذاب المخلد لهم {جَزَاءً بما كانوا بآياتنا يجحدون} أي جزاء بما كانوا يلغون في القراءة ، وإنما سماه جحوداً لأنهم لما علموا أن القرآن بالغ إلى حد الاعجاز خافوا من أنه لو سمعه الناس لآمنوا به فاستخرجوا تلك الطريقة الفاسدة ، وذلك يدل على أنهم علموا كونه معجزاً إلا أنهم جحدوا للحسد.
واعلم أنه تعالى لما بيّن أن الذي حملهم على الكفر الموجب للعقاب الشديد مجالسة قرناء السوء بين أن الكفار عند الوقوع في العذاب الشديد يقولون {رَبَّنَا أَرِنَا الذين أضلانا مِنَ الجن والإنس} والسبب في ذكر هذين القسمين أن الشيطان على ضربين جني وإنسي ، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِيّ عَدُوّاً شياطين الإنس والجن} [الإنعام: 112] وقال: {الذي يُوَسْوِسُ فِى صُدُورِ الناس مِنَ الجنة والناس} [الناس: 5 - 6] وقيل هما إبليس وقابيل لأن الكفر سنة إبليس ، والقتل بغير حق سنة قابيل.
وقرئ {أَرِنَا} بسكون الراء لثقل الكسرة كما قالوا في فخذ فخذ ، وقيل معناه أعطنا الذين أضلانا وحكوا عن الخليل أنك إذا قلت أرني ثوبك بالكسر ، فالمعنى بصرنيه وإذا قلته بالسكون فهو استعطاء معناه أعطني ثوبك.