وقد رد غير واحد قول من ذهب إلى أن في الجمادات تمييزاً ونطقاً على ظاهر أمثال هذه النصوص ، منهم ابن حزم . قال في"الفِصل": وأما قوله تعالى: {قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} فقد علمنا بالضرورة والمشاهدة أن القول في اللغة التي نزل بها القرآن ، إنما هو دفع آلات الكلام من أنابيب الصدر ، والحلق ، والحنك ، واللسان ، والشفتين ، والأضراس ، بهواء يصل إلى آذان السامع ، فيفهم به مرادات القائل . فإذ لا شك في هذا ، فلكل من لا لسان له ، ولا شفتين ، ولا أضراس ، ولا حنك ، ولا حلق ، فلا يكون منه القول المعهود منا . هذا مما لا يشك فيه ذو عقل . فإذا هذا هكذا كما قلنا بالعيان ، فكل قول ورد به نص ولفظ مخبر به عمن ليست هذه صفته ، فإنه ليس هو القول المعهود عندنا . لكنه معنى آخر . فإذ هذا كما ذكرنا ، فبالضرورة صح أن معنى قوله تعالى: {أَتَيْنَا طَائِعِينَ} إنما هو على نفاذ حكمه عز وجل وتصريفه لهما . انتهى .
وكذا الحال في: {أَتَيْنَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً} فإنهما لما نزلا ... وهما من الجمادات - منزلة العقلاء ، إذ أُمرا وخوطبا على طريق المكنية ، أو التمثيلية ، أثبت لهما ما هو من صفات العقلاء من الطوع والكره ترشيحاً . وهما مؤولان بـ: طائع وكاره . لأن المصدر لا يقع حالاً بدون ذلك ، ويجوز كونهما مفعولاً مطلقاً . وإنما قال: {طَائِعِينَ} بجمع المذكر السالم مع اختصاصه بالعقلاء الذكور . وكان مقتضى الظاهر طائعات ، أو طائعتين نظراً إلى الخطاب ، والإجابة ، والوصف بالطوع ، والكره .