51 -وقوله: {مُتَّكِئِينَ فِيها} حال من ضمير {لَهُمُ} ، والعامل فيه {مُفَتَّحَةً} ؛ أي: حال كونهم، جالسين فيها جلسة المتنعمين للراحة. ولا شك أن الاتكاء على الأرائك دليل التنعم، ثم استأنفه لبيان حالهم في الجنات، فقال: {يَدْعُونَ فِيها} ؛ أي: يسألون، ويطلبون في الجنات {بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ} ؛ أي: بألوان متنوعة متكثرة، وهي ما يؤكل للذة لا للغذاء، والاقتصار على دعاء الفاكهة للإيذان، بأن مطاعمهم لمحض التفكه والتلذذ، دون التغذي، فإنه لتحصيل بدل المتحلل، ولا تحلل فيها. {وَشَرابٌ} ؛ أي: ويدعون فيها أيضًا بشراب كثير؛ أي: ألوانه. فحذف {كثير} لدلالة الأول عليه، ففيه اكتفاء، ويقال: نطق القرآن بعشرة أشربة في الجنة منها: الخمر الجارية من العيون وفي الأنهار، ومنها: العسل واللبن وغيرهما. ولا شك أن الأذواق المعنوية في الدنيا متنوعة، ومقتضاه تنوع التجليات الواقعة في الجنة، سواء كانت تجليات شرابية أو غيرها.
والمعنى: أي والمآب الحسن، هو جنات استقرار وإقامة، وأبوابها فتحت إكراما لهم، وفي هذا إيماء إلى وصفها بالسعة، وقرة العيون فيها، ومشاهدة أحوالها التي تسر الناظرين، ففيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ثم ذكر سبحانه ما يدل على مقدار أمنهم فيها، وتنعمهم بنعيمها، فقال: متكئين فيها يدعون فيها بألوان كثيرة من الفاكهة والشراب وهم متكئون على الأرائك، وإنما خص الشراب، والفاكهة من بين ما يتنعم به فيها؛ لأن بلاد العرب قليلة الفواكه والأشربة، فالنفس إليها أشوق، وفي ذكرها أرغب، كما أن في ذلك إيماء، إلى أن مطاعمهم لمحض التفكه، والتلذذ دون التغذي؛ لأنه إنما يكون لتحصيل بدل المتحلل، ولا تحلل فيها كما مر قريبًا.