[يوسف: 50] والكلام كان في البداية عن امرأة العزيز.
ومن النظرات التي كانت لها دلالاتٌ في أدبنا العربي حُكِي عن أبي دلامة لما دخل على الخليفة وحوله الأعيان، وأراد الخليفة أنْ يداعبَ أبا دلامة فقال له: يا أبا دُلاَمة، لتهجونَّ واحداً منا أو لأقتلنَّكَ، فوقف أبو دلامة يفكر فيما يقوله، وجعل الحاضرون ينظرون إليه، كُلٌّ يقول له بالنظرة لا تَهْجُني، ولك ما تشاء من العطاء، فواحد يُرغِّبه وواحد يُرهِّبه.
وأخيراً، رأى أبو دلامة أنْ يُرضِيَ الخليفة ويهجو نفسه طمعاً فيما ينتظره من عطاء هؤلاء الأعيان، وفوجئ الجميع بأبي دلامة يقول:
أَلاَ أبلغ لديْكَ أبَا دُلاَمَةَ ... فَلَيْسَ مِنَ الكِرام وَلاَ كَرَامَه
إذَا لَبِسَ العِمَامَةَ كَانَ قِرْدًا ... وَخِنْزِيراً إذَا نَزَعَ العِمَامَه
واغتنى أبو دلامة من جراء هذه الدعابة.
فمعنى {قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ} [ص: 52] أيك تَغصّ طرفها عن غير مالكها، وهذه للخصوصية المطلوبة في المرأة بالذات؛ لأنك تجد الرجل مهما كان سَمْحاً كريماً يجود بكل ما يملك على مَنْ يحب إلا المرأة، فإنه لا يطيق مجرد أنْ ينظر أحد غيره إليها، فهذه صفة للمؤمن في الدنيا، وهي أيضاً صفته في الآخرة.
لذلك نقول: إن من عجائب ما يفعله الإيمان بأهله ومن مزاياه، أنه لا يخلع العقائد من القلوب ولا الاختيار من العقول فحسب، بل يخلع الاتجاه من العاطفة أيضاً، وقد رأينا ذلك في قصة المهاجرين والأنصار، فالإيمان خلع من القلوب الكفرَ، وخلع من العقول حُبَّ العناد في الاختيار، ثم خلع أقوى العواطف وهي عاطفة الرجل نحو امرأته.
ألم يَقُل الأنصاريُّ لأخيه المهاجر الذي جاء بغير أهله: انظر إلى زوجاتي، فأيّهنّ أعجبتْكَ أطلقها لتتزوجها أنت.
إلى هذه الدرجة فعل الإيمانُ بالمؤمنين الأوائل.
ومعنى {أَتْرَابٌ} [ص: 52] أي: متساويات في الحُسْن أو في السنِّ بحيث لا تميز منهن واحدة عن الأخرى، فكُلُّهن جميلات في سِنٍّ واحدة، وحُسْن واحد، وقَوَام واحد؛ لماذا؟ قالوا: حتى تظل الأعْيُنُ مقصورةً على ما تملك لا يطمع أحدٌ في الأُخْريات ولا ينظر وتزوغ عينه على مَا ليس له، فلو كانت النساء جميعهن على درجة واحدة، فَلِم النظر إذن؟
أو {أَتْرَابٌ} [ص: 52] يعني: مثله ومناسبة له تتقلب له في الصورة التي يحبها.