وكنا قبل أن نذهب إلى طعام أحد الإخوان حين نُدْعَى إليه نأكل أكلة خفيفة، أو طبقاً نسميه طبقَ الكرامة، حتى لا نجلس على الطعام ونحن متلهفون للطعام، فلا يليق بالكريم أنْ يُقبِلَ على الطعام بشَرَهٍ، كأنه لم يَرَ طعاماً من قبل.
ومن عادات العرب أيضاً في شرابهم أنهم لا يملئون الكأس إلى آخرها، حتى يستطيع الشارب أنْ يُميز الشراب من الكأس التي وُضِعت فيه، وهذا يدل على صفاء الشراب أو صفاء الكأس.
لذلك قال شاعرهم:
لَوْلاَ انْتِصَافُ الكأْسِ خِلْنَا أنَّهَا ... فِي كَفِّ سَاقِيهَا تقوم بِذَاتِها
يعني: لو مُلِئت الكأس لَخِلْتَ أنها كأس بلا شراب، أو شرابٌ بلا كأس.
لكن ماذا يطلب أهل الجنة بعد الاتكاء وبعد الأكل والشرب مما تشتهيه أنفسهم، قالوا: الإنسان بعد أن تتوافر له هذه النعم يتطلع إلى حسناء يداعبها تكون له وحده لا يشاركه فيها غيره، لذلك قال تعالى بعدها:
{وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ ...} .
{وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ} * {هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ} * {إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ}
معنى {قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ} [ص: 52] أي: تقصر الواحدة منهن عينيها فلا تمتد إلى غير مالكها فلا يطمع أحد أن ينظر إليها، والطرف أو العين لها أثر ولها كلام ولغة، ومن ذلك قوله تعالى في قصة يوسف عليه السلام:
{فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ} [يوسف: 31] إلى أن قال سبحانه حكاية عن يوسف:
{قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ} [يوسف: 33] .
فالقصة كانت مع امرأة واحدة هي امرأة العزيز، فكيف يقول هنا
{مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ..} [يوسف: 33] و
{كَيْدَهُنَّ ..} [يوسف: 33] و
{أَصْبُ إِلَيْهِنَّ ..} [يوسف: 33] هكذا بصيغة الجمع.
إذن: لا بُدَّ أنهن ساعةَ رأيْنَهُ نظرتْ إليه كُلٌّ منهن نظرة استدل منها على أنها تهواه، فالنظرة إذن لغة تحمل كلاماً، وتُعبِّر عما في نفس صاحبها، لذلك تكلم يوسف عنهن جميعاً، لا عن امرأة العزيز وحدها. لذلك لما أراد العزيز أنْ يستدعيه قال:
{مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ..}