ثم يقول سبحانه في وصف أهل الجنة {مُتَّكِئِينَ فِيهَا ..} [ص: 51] المتكئ هو ما بين النائم والجالس، أو ما بين النائم والقاعد؛ لأن هناك فَرْقاً بين قعد وجلس - وإنْ كان المعنى واحداً - لأن قعد تكون عن قيام، كان قائماً فقعد، أما جلس فمن الاضطجاع، يعني كان مضطجعاً فجلس.
والإنسان حين يكون قائماً يحمل وزنه كله على القدمين، فإنْ تعب من القيام قعد، وفي القعود يكون ثقل الجسم على المقعدة، فإنْ تعب من القعود اتكأ على جنبه .. وهذا وَضْع بين الجلوس والاضطجاع على الأرض، ويُوزع فيه ثقل الجسم فيكون أكثر راحة للإنسان.
لذلك اختاره الله لأهل الجنة، واختارته امرأة العزيز للنسوة اللاتي استضافتهن. قال تعالى:
{وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً ..} [يوسف: 31] فالمتكأ دَلَّ على أن المجلس لا يُمَلُّ، وأن الاتكاء هو الوضع الذي يأخذ فيه الإنسان راحته.
وقال تعالى في أهل الجنة:
{مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ} [الرحمن: 54] .
وقال أيضاً في سورة الرحمن:
{مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ} [الرحمن: 76] .
وقال أيضاً في بيان مُتكأ أهل الجنة:
{مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَآئِكِ ..} [الكهف: 31] .
إذن: أهل الجنة يتكئون إما على الفرش المُبطَّنة بالإستبرق، وهو الحرير السميك الغليظ، وهو يشبه ما نسميه الآن (الستان) ، وإذا كانت هذه الفرش حشوها وبطانتها من إستبرق، فما بالك بظاهرها؟
ومعنى (رَفْرَفٍ) هو ما نسميه الآن الكرانيش الموجود مثلاً في الستائر. ومعنى (الأرائك) مفردها أريكة، وهي السرير الذي تُوضع عليه الحليات والستائر أشبه (بالنموسية) مثلاً. هذه هي مُتكاءات أهل الجنة.
لكن ماذا بعد أنْ يتكئ؟ لا بُدَّ لتمام النعيم من الطعام والشراب فهو لا يتكئ ويصوم، إنما {يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ} [ص: 51] فكأن التحية التي تُقدَّم لهم هي ما تشتهيه نفوسهم. يعني: لا يقدم لهم شيئاً على غير مرادهم، إنما حسب ما يرغبون وما يشتهون، فالتحية ليستْ مُلزِمة للجميع؛ لأنها قد لا تصادف هَوىً في النفس، وقدَّم الفاكهة مع أنها تفكُّهٌ ورفاهية بعد القوت الطبيعي والضروري، قالوا: وجود الفاكهة أو التفكُّه دليل على وجود الضروريات من باب أَوْلَى.