{إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ} [القلم: 17 - 20] وإما أن يموت هو ويتركها لغيره.
لذلك أراد الحق سبحانه أنْ يُطمئن أهل طاعته بأن الجنة التي أعدَّها لهم باقية دائمة لا تزول، جنات إقامة دائمة خالدة، لا يفوتك نعيمها ولا تفوته.
وقوله سبحانه: {مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأَبْوَابُ} [ص: 50] مُفتحة اسم مفعول يدل على المبالغة وكثرة تفتيح الأبواب، فمَنِ الذي يفتحها؟ يجوز فتحها الخزنة ساعة يروْنَ أهل الجنة قادمين يفتحونَ لهم ويحيونهم
{حَتَّى إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر: 73] .
كما نرى مثلاً في الفنادق الكبيرة، يقف الحراس والحُجَّاب على الباب، وساعةَ يأتي الزائر يفتحون له الباب، لكن لما ارتقوا بهذه المسألة رأينا الأبواب تُفتح وحدها أتوماتيكياً بمجرد الاقتراب منها، فإنْ دخل الزائر تُغلق أيضاً تلقائياً. فيجوز أن الأبواب تُفتح بفعل الملائكة، أو تُفتح بمجرد إرادة أهل الجنة، فساعةَ يريد أنْ يدخل تُفتح له دون تدخُّل من أحد.
فإذا كان البشر قد توصَّلوا إلى هذه الدرجة في مسألة فَتْح الأبواب، فهذا التقدُّم يؤيد ما جاء به القرآن، ومن ذلك أيضاً قوله تعالى:
{وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} [الزخرف: 33] .
لقد رأينا هذه السُّقف وهذه المعارج، وقد يُراد بها السلالم والأسانسيرات التي نصعد فيها الآن، وقد نزل هذا الكلام منذ ما يزيد على أربعة عشر قرناً من الزمان على أمة أمية مُتبدية، لا تعرف المباني، إنما تسكن الخيام وبيوت الشَّعر والوَبَر.
إذن: في القرآن لقطات تدلُّك على أن في كتاب الله رصيداً لكل ما يجدُّ في حياة الناس، فإنْ تعجبتَ لشيء في كتاب الله فاعلم أن الواقع يؤيده، وأنكم أيها الخَلْق ستصلون في علومكم وارتقاءاتكم إلى مِثْل ما تتعجبون منه، فإذا كنتم قدرتم أنْ تفعلوا ذلك فاسمحوا لله تعالى أنْ يفعله من باب أوْلَى.