{وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ..} [الأعراف: 22] يريد أنْ يستر هذه العورة وأنْ يداريها، لكنها أصبحتْ عادة لازمة للإنسان إلى الأبد، سوأة لا تُستر ولا تُدفع، إذن: صارت سوأة بالمخالفة.
لذلك نجدهم في الحروب وميادين القتال يعطون الجنود أقراصاً مغذية تفيد الجسم، ولا تترك فضلات، ولا تزحم المعدة.
ولو تنبَّه آدمُ لوسوسة الشيطان ما طاوعه وما أكل من الشجرة؛ لأنه أغواهما بقوله:
{مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ} [الأعراف: 20] في حين أنه يطلب من الله أنْ يُنْظِره إلى يوم يُبعثون، ولو علم أن هذه الشجرة تبقيه وتُخلده لأكل هو منها، أليس هو القائل:
{رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [ص: 79] .
إذن: كان الشيطان كذاباً، لكن لم يتنبه آدم لكذبه، قال تعالى:
{وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَى ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} [طه: 115] .
لكن لماذا يقع آدم - عليه السلام - في هذا الابتلاء؟ قالوا: لأن آدم سيكون أباً للبشر جميعاً، وسيكون ممثلاً لصِنفيْن منهم، صنف معصوم من الخطأ وهم الأنبياء والرسل، وصنف يخطئ وهم عامة الناس، إذن: لا بُدَّ أنْ تتمثل في حياته هاتان الصورتان، وقد وقع منه العصيان وهو في الجنة في فترة الاختبار التكليفي كما قلنا، وعصيانه هذا لا ينافي عصمة الأنبياء، لأنه لم يكُن قد نُبِّئ بعد، لكن تاب آدم فتاب الله عليه
{فَتَلَقَّى ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ..} [البقرة: 37] .
وقال:
{ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} [طه: 122] .
إذن: كان الاجتباء والاختيار للنبوة بعد المحنة التي وقع فيها، وبعد الاجتباء عصم آدم عصمة الأنبياء، وكلمة
{ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ ..} [طه: 122] دلتْ على التعقيب ووجود مدة بين عصيان آدم واجتبائه.
إذن: قوله تعالى: {جَنَّاتِ عَدْنٍ ..} [ص: 50] أي: في دار الجزاء ومعنى {عَدْنٍ} يعني: إقامة دائمة لا تزول ولا تنتهي، وقال (عَدْن) لأن جنات الدنيا ينتفع بها صاحبها مدة ثم تزول، فإما أنْ تصيبها جائحة، كما في قوله تعالى في قصة أصحاب الجنة: