ولما كان حُسْن المآب كلمة عامة مُجْملة أراد الحق سبحانه أن يُفصِّلها وأنْ يوضحها لنا، فقال: {جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأَبْوَابُ} [ص: 50] فكلمة جنات عدن بدل من حُسْن مآب، فكأن الحق سبحانه حصر حُسْن المآب في جنات عدن، والجنات جمع جنة، وهي المكان المليء بالأشجار المتشابكة التي تستر مَنْ يسير تحتها، أو لأنها تجنّ مَنْ يسير فيها وتحبسه عن الخروج فيها أو الحاجة لغيره؛ لأن فيها كلّ ما يحتاجه، وهذا هو معنى الجنة في الدنيا أيضاً، ومنه قوله تعالى:
{وَاضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ ..} [الكهف: 32] .
ومثَلُ الجنة التي دخلها آدم - عليه السلام - ليتلقَّى فيها من الله التجربة التكليفية بافعل ولا تفعل، لكن نسمع مَنْ يقول أن آدم كان في جنة الآخرة، وأخرجه الله منها إلى الدنيا، وهذا لا يستقيم لأن أول إخبار من الله عن آدم لم يقُلْ أنِّي خلقته للجنة، إنما قال:
{إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ..} [البقرة: 30] .
أما مسألة دخوله الجنةَ أي جنة الدنيا، فذلك لأنك حين تريد أنْ تدرِّب شخصاً على عمل ما فإنك لا بُدَّ أنْ تتكفَّل له بالإقامة والنفقة، وتوفر له مُقوِّمات حياته بالطريقة التي تتيح له التدريب والقيام بالمهمة التي كلف بها، وهكذا فعل الله تعالى لآدم، فلما نسي ما أمره الله به واتبع الشيطان تغيَّرت طبيعته، ولم يَعُدْ صالحاً للإقامة في هذه الجنة، كما قال سبحانه:
{فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا ..} [الأعراف: 22] .
وكانت هذه هي المرة الأولى التي يشعر فيها آدم بسوأته لأنه خالف أمر ربه، كذلك إذا رأيتَ عورة ظهرتْ في الأرض إلى أن تقوم الساعة فاعلم أنها نتيجة مخالفة لمنهج الله أو تعطيلٍ لحكم من أحكامه، وإلا ما الذي جعل هذه الفتحة في آدم عورة، وهي لا تختلف عن أيِّ فتحة مثلها في الجسم، ما الفرق بينها وبين فتحة الفم مثلاً؟ إذن: متى كانت عورة؟
كانت عورة حين أصبح لها مُسْتقذرات ينفر منها طبْع الإنسان، وكيف تكونتْ هذه المستقذرات؟ تكوَّنت لأنه أكل على خلاف منهج ربه، بدليل أنه لما أكل وفْق ما أمره الله لم تكُنْ له فضلات، كان يأكل من طهي الله، يأكل على قَدْر استبقاء الحياة.
لكن لما خالف وأكل من الشجرة تكوَّنتْ الفضلات وظهر أثرها المستقذر