والمتقون مادتها: وَقَى يعني حال بين شيء يصيبه، وبين نفسه، واتقى الشيء جعل بينه وبين الشيء وقايةً تحميه. وإذا نظرنا إلى هذه المادة في القرآن نجد الحق سبحانه يأمر بالتقوى تكليفاً يكلف الإنسان أنْ يقي نفسه مما يعُود عليه بالشر، وقد أتتْ هذه المادة بلفظ: اتقوا الله، واتقوا ربكم، واتقوني، واتقوا النار، واتقوا الفتنة.
وكلها تلتقي في معنى واحد، لأن لله تعالى كما قلنا صفات جلال وصفات جمال، فمعنى اتقوا الله: اجعلوا بينكم وبين صفات الجلال لله وقاية، مثل: المنتقم الجبار القهار.
إلخ.
وهذه الصفات هي التي ترهب المخالف وتردعه، فاتقوا صفات الجلال من الله، لأنه سبحانه قادر أنْ يبطش بكم وليس لكم جَلَد على انتقام الله أو التعرُّض لأثر هذه الصفات.
وبنفس المعنى: اتقوا النار لأنها جُنْد من جُنْد الله، وأثر من آثار صفات الجلال.
وفي موضع واحد من القرآن وردتْ التقوى بلفظ (واتقوا) دون ذكر للمتقَى، وكأن هذا اللفظ جاء ليدلّ على شمول التقوى أو مطلق التقوى، فهي تعني: اتقوا الله، واتقوا النار، واتقوا الفتنة .. إلخ.
ومعنى {لَحُسْنَ مَآبٍ} [ص: 49] يعني: حُسْن مرجع، لكن أيّ مرجع؟ للعلماء في المرجع كلام فلسفي يقولون: أي مرجع الروح ومردّها إلى الأجساد يوم القيامة، وهذا كلام لا وزنَ له؛ لأننا نفهم المرجع والمردَّ إذا لاحظنا الخَلق الأول، والخالق سبحانه قبل أنْ يخلق الخَلْق أخذ عليهم العهد، وهم ما يزالون في مرحلة الذَّرِّ.
كما قاله سبحانه:
{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} [الأعراف: 172 - 173] .
إذن: إيمان الفطرة في عالم الذرِّ والشهادة لله تعالى بأنه الربُّ الخالق المُربِّي تستدعي أن يكون المرجع إليه سبحانه والمردّ إليه للحساب، هل قابلتم هذه الشهادة بالطاعة أم بالعصيان؟ فمن أدّى العهد القديم واستصحبه إلى العهد الجديد فقد فاز وله حُسْن مآب، وأما مَنْ ظلم نفسه وخالف العهد الذي أخذه على نفسه فقد خاب وخسر، وله في الآخرة مآب الشرِّ والسُّوء.