وقوله: {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (31) } يقول تعالى ذكره: إنه تواب إلى الله من خطيئته التي أخطأها إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد، والصافنات: جمع الصافن من الخيل، والأنثى: صافنة، والصافن منها عند بعض العرب: الذي يجمع بين يديه، ويثني طرف سنبك إحدى رجليه، وعند آخرين: الذي يجمع يديه.
وقوله: {فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ} وعنى بالخير في هذا الموضع الخيل، والعرب تسمي الخيل: الخير، والمال أيضًا يسمونه الخير.
وقوله: {عَنْ ذِكْرِ رَبِّي} أي: إني أحببت حب الخير حتى سهوت عن ذكر ربي وأداء فريضته، وقيل: إن ذلك كان صلاة العصر.
وقوله: {حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} يقول: حتى توارت الشمس بالحجاب، يعني: تغيبت في مغيبها، وقوله: {رُدُّوهَا عَلَيَّ} أي: الخيل التي عرضت عليَّ فشغلتني عن الصلاة.
{فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ} أي: أقبل يمسح سوقها وأعناقها بيده إكرامًا منه لها، وليرى أن الجليل لا يقبح أن يفعل مثل هذا بخيله. والذي عليه أكثر السلف الأول فقالوا: اشتغل بعرض تلك الخيول حتى خرج وقت العصر وغربت الشمس، والذي يقطع به أنه لم يترك الصلاة عمدًا من غير عذر، اللهم إلا أن يقال: إنه كان سائغًا في شريعتهم فأخر الصلاة لأجل أسباب الجهاد وعرض الخيل من ذلك.
وعلى ما حدث لنبينا - صلى الله عليه وسلم - يوم الخندق يُحْمَلُ فعلُ سليمان - عليه السلام:
فعن جابر - رضي الله عنه - قال: جَاءَ عمر - رضي الله عنه - يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَمَا عرَبَتْ الشَّمْسُ فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ الله، مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتْ الشَّمْسُ تَغْرُبُ، قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم:"والله مَا صَلَّيْتُهَا, فَقُمْنَا إِلَى بُطْحَانَ فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ وَتَوَضَّأْنَا لَهَا، فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ".
المسألة الثانية: (ولقد فتنا سليمان) .
أولًا: بيان معنى: الفتنة وإطلاقاتها.