إنّنا نُلاحظ أنّ هذا مقطعٌ كَلامِيٌّ مُسْتقطعٌ من الماضي، محكيٌّ بصيغته الَّتي قيلت لأيّوبَ - عليه السلام - إبّانَ الحَدثِ الماضي، والذّهنُ يكشف أنّ الله عزّ وجلّ قال لأيّوبَ هذا القولَ، فَوْرَ ندائه رَبَّه:"أَنّي مَسَّنِي الشيطانُ بنُصْبٍ وعذاب"وطوى النصّ بعد ذلك ما فَعَل أيوبُ عليه السلام، من تنفيذ الأمر، وما أكرمَهُ به ربُّه من شفاء، وعطفَ الله عزّ وجلّ على هذا المطويّ قوله: {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وذكرى لأُوْلِي الألباب} [الآية: 43] .
وعقبهُ مُبَاشرةً جاءَ نَصٌّ كلامِيٌّ مستقطعٌ من أحداث الماضي، محكيٌّ بصيغته التي قيلت لأيّوبَ عليه السلام، إِبّانَ الْحَدَثِ الماضي، فقال الله عزّ وجلّ:
{وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطرف أَتْرَابٌ (52) }
أتراب: أي: على سِنٍّ واحدة، وهنَّ الحور العين.
جاء التعبير بعبارة {قَاصِرَاتُ الطرف} للكناية بها عن أنَّهُنَّ غفيفات، وقد عُدِلَ عن عبارة"عفيفات"إلى عبارة أُخْرى تؤدّي معناها لإِضافةِ معنىً آخر لا تؤدّيه العبارة المتروكة، وذلك لأنّ العبارة المختارة تدُلُّ على أنَّهُنَّ مع عِفَّتهنَّ لا تَطْمَحُ أَعْيُنُهُنَّ إلى غير أزواجِهِنَّ، ولا يَشْتَهين غَيْرَهُمْ.
وهذا المعنى لا تَدُلُّ عليه عبارة"عفيفات"فالعفَّةُ التطبيقيّة قد تكون مصحوبة بتطلُّعٍ وتَشَهٍّ.
{هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (49) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (50) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (51) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (52) }
ومن الاقتضاب المحمود الْفَصْلُ بعبارة"أمّا بَعْد"بعْدَ مقدّمة الحمد والثناء على الله عزَّ وجلَّ، والصلاة والسلام على نبيّه محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ومن الاقتضاب البديع الفصل بين قِسْمٍ وقِسْمٍ آخَرَ باسم الإشارة"هذا"أو"هذا ذكْرٌ"أو نحوهما ممّا يُشْعِر بالانتهاء من الكلام على الْقِسْم السابق للْبَدْءِ بالكلام على قِسْمٍ آخَر من أقسامِ موضوعٍ كُلّي ذي أقسامٍ متعدّدة، ومن أمثلته ما جاء في سورة ص إذْ جاء فيها بيان ثلاثة أصناف من الرسل، وقد يُلْحَقُ بأصنافهم المحسنون والأبرار من غيرهم.