ثم أمر بردها. فطفق مسحا بسوقها وأعناقها بيده، برابها، وإكراما لها، هذا هو ظاهر الآية الذي لا يحتمل غيره، وليس فيها إشارة أصلا إلى ما ذكروه من قتل الخيل، وتعطيل الصلاة. .
والحق أن ما ذهب إليه كثير من المفسرين من أن سليمان - عليه السلام - شغل باستعراض الخيل عن صلاة العصر، وأنه أمر بضب سوقها وأعناقها. . لا دليل عليه لا من النقل الصحيح ولا من العقل السليم. .
وأن التفسير المقبول للآية هو ما ذكره الإِمام الرازي والإِمام ابن حزم، وما سبق أن ذكرناه من أن المقصود بقوله تعالى: {فَطَفِقَ مَسْحاً بالسوق والأعناق} إنما هو تكريمها. .
وأن الضمير في قوله: {حتى تَوَارَتْ} يعود إلى الصافنات لأنه أقرب مذكور.
(وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ(34)
وقوله: {فَتَنَّا} من الفتن بمعنى الابتلاء والاختبار والامتحان. تقول: فتنت الذهب بالنار، أي: اختبرته لتعلم جودته. .
قال الآلوسي: وأظهر ما قيل في فتنة سليمان - عليه السلام - أنه قال: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة. تأتى كل واحدة بفارس يجاهد في سبيل الله تعالى ولم يقل إن شاء الله. فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة وجاءت بشق رجل.
وقد روى ذلك الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة مرفوعا، وفيه:"فوالذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا فرسانا".
ولكن الذي في صحيح البخارى أربعين بدل سبعين. وأن الملك قال له: قل إن شاء الله، فلم يقل - أي فلم يقل ذلك على سبيل النسيان.
والمراد بالجسد ذلك الشق الذي ولدته له. ومعنى إلقائه على كرسيه: وضع القابلة له عليه ليراه.
وقد ذكروا أن سليمان: إنما قال:"تحمل كل امرأة فارسا يجاهد في سبيل الله"على سبيل التمنى للخير، وطلب الذرية الصالحة المجاهدة في سبيل الله.
ومعنى"فلم يقل"أي: بلسانه على سبيل النسيان، والنسيان معفو عنه، إلا أن سليمان - عليه السلام - لسمو منزلته اعتبر لك ذنبا يستحق الاستغفار منه، فقال بعد ذلك"اغفر لي..."
وقوله:"لأطوفن الليلة..."كناية عن الجماع، قالوا: ولعل المقصود. طوافه عليهن ابتداء من تلك الليلة، ولا مانع من أن يستغرق طوافه بهن عدة ليال.
وقد استنبط العلماء من هذا الحديث أن فتنة سليمان، هي تركه تعليق ما طلبه على مشيئة الله، وأن عقابه على ذلك كان عدم تحقق ما طلبه.