وفي كلام بعض المفسرين: لعل التكفير لم يجز في شرعهم، أو أن الأفضل الوفاء به، انتهى.
فإن قلت: كيف وصف الله تعالى أيوب عليه السلام بالصبر، مع أن الصبر ترك الشكوى من ألم البلوى، وهو قد شكا بقوله: {أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ} ، وقوله: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ} ؟
قلت: الشكوى إلى الله تعالى لا ينافي الصبر، ولا تسمى جزعًا لما فيها من الجهاد والخضوع والعبودية لله تعالى، والافتقار إليه، ويؤيده قول يعقوب عليه السلام: {إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} مع قوله: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} ، وقولهم: الصبر ترك الشكوى؛ أي: إلى العباد، أو أنه عليه السلام، طلب الشفاء من الله تعالى، بعد ما لم يبق منه إلا قلبه ولسانه، خيفة على قومه، أن يفتنهم الشيطان، ويوسوس إليهم، أنه لو كان نبيًا لما ابتلي بما هو فيه، ولكشف الله ضره إذا دعاه.
{إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) }
والتقدير: إنا خصصناهم بخصلة خالصة لنا، هي تذكرهم للدار الآخرة دائمًا، ولا هم لهم غيرها، وإطلاق الدار يعني مرادًا بها الدار الآخرة، للإشعار بأنها الدار في الحقيقة، وإنما الدنيا معبر.
فإن قيل: كيف يكونون خالصين لله تعالى، وهم مستغرقون في الطاعة، وفيما هو سبب لها، وهو تذكر الآخرة؟
قلت: إن استغراقهم في الطاعة، إنما هو لاستغراقهم في الشوق إلى لقاء الله، ولما لم يكن ذلك إلا في الآخرة، استغرقوا في تذكرها.
وفي «التأويلات النجمية» : إنا صفيناهم عن شوب صفات النفوس، وكدورة الأنانية، وجعلناهم لنا خالصين بالمحبة الحقيقية، ليس لغيرنا فيهم نصيب، ولا يميلون إلى الغير بالمحبة العارضة، لا إلى أنفسهم، ولا إلى غيرهم، بسبب خصلة خالصة غير مشوبة بهمّ آخر، هي ذكرى الدار الباقية، والمقر الأصلي؛ أي: استخلصناهم لوجهنا بسبب تذكرهم لعالم القدس، وإعراضهم عن معدن الرجس، مستشرقين لأنواره، لا التفات لهم إلى الدنيا، وظلماتها أصلًا، انتهى.
{جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (50) }
أي: إذا وصلوا إليها، وجدوها مفتوحة الأبواب، لا يحتاجون إلى فتح بمعاناة، ولا يلحقهم ذل الحجاب، ولا كلفة الاستئذان، تستقبلهم الملائكة بالتبجيل والترحيب والإكرام، يقولون: سلام عليكم بما صبرتم، فنعم عقبى الدار.
وقيل: هذا مثل ما تقول: متى جئتني وجدت بابي مفتوحًا، لا تمنع من الدخول.