وفي «الأسئلة المقحمة» : الجن أجسام مؤلفة، وأشخاص ممثلة، ولا دليل يقضي بأن تلك الأجسام لطيفة أو كثيفة، بل يجوز أن تكون لطيفة، وأن تكون كثيفة، وإنما لا نراهم لا للطافتهم كما يزعمه المعتزلة، ولكن لأن الله تعالى لم يخلق فينا إدراكًا لهم، انتهى.
والحق أن يقال: إنا لا نعلم حقيقة تلك القيود، ولا كيف تكون العقوبة، كما لا نعلم كيف يشتغل الشياطين، وكيف يبنون أو يغوصون؟ فكل ذلك في عالم لا ندرك شيئًا من أحواله، فعلينا أن نؤمن، بأن سليمان لعظم ملكه، لم يكتف بتسخير الإنس في أعماله، بل سخر معهم الجن، فيما يصعب عليهم، ونتقبل هذا كما قصه القرآن، دون دخول في التفاصيل خوفًا من الزلل الذي لا تؤمن مغبته، ولا نصل أخيرًا إلى معرفة الحق فيه، ولنكتف بذلك، فالعبرة به ماثلة ولا نتزيد فيه.
{وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) }
فإن قلت: لا قدرة للشيطان ألبتة على إيقاع الناس في الأمراض، والأسقام، لأنه لو قدر على ذلك لسعى في إهلاك الأنبياء، والأولياء، والعلماء، والصالحين، فهو لا يقدر أن يضر أحدًا إلا بطريق إلقاء الوساوس والخواطر الفاسدة، فما معنى إسناد المس إليه؟
قلت: إن الذي أصابه، لم يصبه إلا من الله تعالى، إلا أنه أسنده إلى الشيطان، لسؤال الشيطان منه تعالى، أن يمسه الله تعالى بذلك الضر، امتحانا لصبره، ففي إسناده إليه دون الله تعالى، مراعاة للأدب كما مر آنفًا.
وقيل: إنه لما عمل بوسوسته، عوقب على ذلك بذلك النصب والعذاب، فنسبه إليه، فقد قيل: إنه أعجب بكثرة ماله، وقيل: استغاثه مظلوم فلم يغثه.
وقيل: إنه قال ذلك؛ لأن الشيطان وسوس إلى أتباعه، فرفضوه، وأخرجوه من ديارهم.
وقيل المراد به: ما كان يوسوسه الشيطان إليه حال مرضه وابتلائه، من تحسين الجزع، وعدم الصبر على المصيبة، وقيل غير ذلك. والله أعلم.
{وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ ... (44) }
فإن قلت: لم قال الله سبحانه، لأيوب عليه السلام: {وَلا تَحْنَثْ} ، وقال لمحمد - صلى الله عليه وسلم -: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ} ؟
قلت: لأن كفارة اليمين لم تكن لأحد قبلنا، بل هي لنا، مما أكرم الله به هذه الأمة، بدليل قوله تعالى: {لَكُمْ} ، كذا في «أسئلة الحكم» .