في غفلة عن عبادتهم لهم؛ لذلك قال في هذا الصنف من معبوداتهم الذين هم الجن
الكافرون: (أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ) أي: عالمون بعبادتهم راضون بما
شهدوا بذلك عليهم عند ربهم.
وأما غير هؤلاء فهم المعنيون بقوله: (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا) إلى قوله:
(فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ(28) فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ
إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (29) . فَلغفلتهم عن عبادتهم قالوا لهم:
(مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ) ولعلم الجن بعبادة من عبدهم ورضاهم بذلك منهم شهد
الملائكة عليهم أنهم معبودون لهم وأنهم بعبادتهم مؤمنين، فتحصل من هذا أن
المعبود الحق لا إله إلا هو عليم بعبادة العباد، قدير على نفعهم وضرهم، راضٍ
بطاعتهم.
والعابدون المؤمنون من شروطهم: أن يكونوا عالمين بمعبودهم هكذا؛ ليصل
سائر العابدين بمعبودهم وعلمهم به بعلمه بهم، وشهادتهم له بشهادته لهم، وليصل
خضوعهم وخشوعهم بذلك إلى حضرة عظمته وكبريائه وعزته، فأولئك وصلوا ما
أمر الله به أن يوصل، ولذلك قال: (وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ(14)
ومن سوى هذا من معبود وعابد فليس بشيء لا يستجيبون لهم (إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ
إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (14) .
(فصل)
وإذا كان ذلك كذلك من عبادة المعبود لعابده، بأن يخرج كلامه وفعله ودعاءه
ومناجاته من حقيقة ذاته بما يرضي المعبود المشاهد المصدق له، المجيب السميع
منه، المؤمن به، يؤمن المعبود بعابده، والعابد بمعبوده، ليتصل بذلك حق الأول من
العبد بحقيقة الرب الحق المبين، وهو وصول إيمان المؤمن الأدنى بإيمان المؤمن
العلي الأعلى - تجارك ربنا وتعالى - وحيئذٍ تجب الإجابة بالوعد الحق، ذلك قوله
تبارك وتعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي) أي: عباد الخصوص (فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ