دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) أي:
فيقصدون بحقيقة إيمانهم المتصل بحقيقة الآل من ذواتهم حقيقة الحق المبين،
فيؤمن لهم بإيمانهم، ويذكرهم بما ذكروه، ويستجيب لهم دعاءهم، ولعدم هذه
الصفات في تلك الموجودات كان يقول لهم: (أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ
شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67) .
(هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ(72) .
(فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(194) . ونحو هذا كثير.
قوله - جلَّ جلالُه -: (وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) يعني: الأمم الماضية (وَمَا بَلَغُوا) يعني:
هؤلاء الذين أدركتهم رسالتك (مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ) كان أولئك أطول
أعمارًا وأكثر أولادًا وأموالاً وأجنادًا وغاشيةً(وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا
عَمَرُوهَا)هؤلاء، والمعثار: جزء من عشرة، يقال: منه عشر وعشير.
قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ ...(46) . يعني: موعظة واحدة أو نصيحة، أو ما
يكون عبارة عن هذا (أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا) يحتمل أن
يكون معنى هذا: تقوموا لله بالقسط في أنفسكم وفيمن وليتم أمره، مجتمعين على
ذلك يدكم كيد واحدة، ومتفرقين منفردين، فالواحد في طاعة الله جماعة ويكون
على هذا: (ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا) كلام مستأنف، فالتفكر في آيات الله واكتساب المعرفة بذلك
أفضل العبادات، لأنه يقرب من الذكر في الذكر، ولا تكون المعرفة إلا بطول الفكرة
وترداد الاعتبار في خلق الله وصنعه.
فالتفكر يبعث الاعتبار، وبالاعتبار يظهر ما بطن عن العيان، ويحتمل أن يكون
معنى قوله: وهو الأوجه (ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا) فتعلموا بذلك يقينًا أن صاحبكم ليس بذي
(جِنَّةٍ) كما ظننتم فتعلموا بذلك أنه (نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ(46)