وتعلموا بذلك أني لست أبغي على تبليغي رسالات ربي أجرًا، وبذلك تعلموا أني
إنما أبتغي الأجر ممن أرسلني إليكم، وإذا تفكرتم فيما خلق الله من شيء، وأن
الجملة قائمة بإقامة الحي القيوم، علمتم أنه ينزل الأمر من لدنه بالملائكة عليهم
السلام، وأنه يقذف بالحق كما قال:"إذا قضى الله الأمر في السماء سمعت"
الملائكة..."ففعله ذلك هو قذفه بالحق؛ لأنه لا يكون منه إلا بالحق، وإذا علمتم"
ذلك به تعلمون أنه أْيضًا يقذف بالوحي إلى من [يشاء] من عباده وتنزل عليه
(الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ) من كتاب وحكمة، وكما تقدم في العبرة في
قوله:"سمعت الملائكة له كوقع صلسلة على صفوان".
واتخاذ الأمر المتلقى بالنبوة بالرسالة بخضوع العبودية بالتبليغ عنه منفصل،
ذلك كله من صفات الإلهية إلى غير ذلك مما ينفصل عن هذا: من إنزاله الروح من
أمره مع الملائكة عليهم السلام، ويدخل في ذلك: أنه يقذف بالحق الذي هو
الإيجاد، أو الهداية على الباطل الذي هو العدم أو الإضلال، فيكون ما يريده من
الإيجاد أو الهداية، كما قال: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ) .
وبالتجمع على طلب الحق والتفرغ لذلك يعلمون أيضًا أن ما جئت به حق لا مرية فيه، وأن كل ما تدعونه من دون الله ما يبدئ وما يعيد، أي: لا يخلق ولا يحيي
ولا يميت ولا يملك شيئا، ولتعلموا أني (إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ(50) .
هذه معلومات عدة أصول لغيرها لا يوصل إلى معرفتها إلا بالتعدد والنظر، وتكوير الذكر على الفكر، والفكر
على الذكر، والقضاء بصحيح الاعتبار.
قوله تعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ ...(51) . يعني: وهو أعلم حين المعاينة عند
الموت ويوم تقوم الساعة (وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ) هذا - والله أعلم -
يوم الحساب تأخذهم الملائكة بالنواصي والأقدام، وأخذه إياهم متى شاء هو من
قريب، وإنما عبر بلفظ القرب عن تأتي أخذ ما يريد أخذه، وعبر بلفظ البعد في