خيبتهم لمكان ضعفهم، وعدم الناصر لهم، وبُعد النجاة منهم بما أضاعوه من
الإيمان والاستجابة لله ولرسوله، فناوشوا [ (52) ] ذلك بالإيمان منهم والندم حين لا ينفعهم
الندم على ما فات ولا الإيمان، والتناوش: التناول على بُعد وضعف وتعذر المراد
هذا بغير همز، والتناؤش بالهمز: الأخذ والبطش، وربما وإن الأخذ بالبطء
ويداخلان جميعًا أحدهما على صاحبه.
يقول عز من قائل: (وَأَنَّى لَهُمُ) ودرك ما فاتهم، وتناوله حين
الفوت، وتعذر المتناول، بيَّن ذلك بقوله: (وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ ...(53) . أي: بالرسول أو
بالقرآن وبالله، جل ذكره.
قوله تعالى: (وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ) هذا - والله أعلم بما
ينزل - منتظم بقوله الحق: (إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ(48)
فانتظامه، ويقذف هؤلاء بالغيب وهم لا يعلمونه؛ لبعدهم عنه، ويكون المفهوم من
الجزاء: أنهم كانوا يكذبون في الدنيا بالآخرة، فيقطعون بظنونهم ويرجمون بها من
بعدهم عن فهم الحق؛ وقد ضلوا عنه ضلالاً بعيدًا، ولما لم يؤمنوا بالآخرة لم يكن
لهم فيها حظ ينفعهم، ولما لم يؤمنوا بالله لم يكن منهم بلقائه ولا بكلامه، بيَّن ذلك
ما تقدم قوله: (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ ...(54) . من الرجعة والإقالة وقبول التوبة التي
بها يتوصل لكل كرامة (كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ)
الشيع: الأتباع. انتهى انتهى {تفسير ابن برجان. 4/ 429 - 435} ...