فمن عرفنا أن العفو يصلح نفسه ويهذبها فالعفوا عنه أفضل. ومن عرفنا صفاقة وجهه، وقبح سريرته - من الذين يفهمون أن العفو عنهم ضعف أو خوف منهم - فالعدل معهم أفضل، وربما يزجرهم القصاص.
فالإسلام حول الأخلاق من مثالية فلسفية، إلى واقعية عملية لتشمل كل الناس، وتعالج ضعاف النفوس.
وهذا معنى كون النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث ليتمم مكارم الأخلاق فقد وسع دائراتها، وعمم عطاءها.
يا هشام .. هذه الآية الكريمة {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}
تعتبر أصلا كريما من أصول الدين.
إنها تؤكد صدق نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - .
إنها ليست مجرد امتداح لأخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم - ..
ولكنها نزلت في الأيام الأولى من الوحي لتسوق دليلا عقليا على نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - .
بل لعل هذه الآية هي أول دليل ساقه القرآن إلى العقل البشري لإثبات صدق النبي - صلى الله عليه وسلم - . فقد نزلت بعد سورة المزمل - أي في الأيام الأولى من الوحي.
هشام: ما علاقة الآية الكريمة بإثبات نبوة سيدنا محمد؟
الأب: الأمر سهل. إن شاء الله.
الآية تقول للمشركين: أنتم تعرفون محمداً قبل يوم {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} .
وتعرفون أنه على خلق عظيم - بشهادتكم له قبل الرسالة - وأول ما تفرضه عليه أخلاقه العظيمة أن يكون صادقا. وأنتم شهدتم له بالصدق - بل سميتموه صادقا.
وصادق إذا أخبركم باصطفاء الله له لماذا تكذبونه؟
لقد تناقضتم مع أنفسكم. عندما كذبتم محمداً.
هشام: أظنك يا والدي أول من استدل بأخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم - على نبوته؟
الأب: لا يا هشام.
لقد استدلت للسيدة خديجة - رضي الله عنها - بأخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم - على نبوته.
فعندما نزل الوحي لأول مرة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ذهب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى خديجة خائفا يقول لها:
زمليني ودثريني ...