فلما ذهب عنه الروع قال لخديجة: لقد خفت على نفسي. وهنا تجلى ذكاء السيدة خديجة، ودار بخلدها ما عنى النبي - صلى الله عليه وسلم - الطويل - الذي عاشته معه. وأخلاقه الشريفة - التي لمستها عن قرب - بل التي كانت سببًا في زواجها منه.
عند ذلك قالت له: أبشر فوالله لن يخزيك الله أبداً ..
إنك لتصل الرحم ...
وتصدق الحديث ...
وتحمل الكل ..
وتكسب المعدوم ..
وتقري الضيف ..
وتعين على نوائب الدهر
مقدمات ثابتة توصلت بها إلى البشارة الصادقة، لن يخزيك الله أبداً.
وقدمت البشارة على المقدمات لتعجيل البشرى.
أو هو الاستدلال العقلي الراجح بأخلاقه الشريفة على إكرام الله له.
فالسيدة خديجة هي أول من استدل بأخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم - على نبوته.
ومن الذين استدلوا بأخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم - على نبوته أيضاً"هرقل"- ملك الروم.
هشام: وماذا كان من أمر هرقل؟
الأب: زار أبو سفيان بن حرب الشام - قبل إسلامه - واستضافه هرقل، وسأله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي ظهر في بلاد العرب.
هرقل: هل كان ابن ملك؟
أبو سفيان: لا
هرقل: لو كان ابن ملك لقلنا إنه يريد أن يعيد ملك آبائه. وسأل هرقل:
هل يكفر أحد أصحابه بعد أن يؤمن به؟
أبو سفيان: لا ... إنهم يزيدون دائما ...
هرقل: هل كان يكذب في شبابه؟
أبو سفيان: لا .. لقد اشتهر بالصادق الأمين.
هرقل: والله .. ما كان ليدع الكذب على الناس ثم يكذب على الله. ولئن كان ما تقول حقاً فهو نبي. وسوف يملك مكان قدمي هاتين.
كنت أعلم أن نبياً سيظهر .. ولكن ما كنت أعلم أنه منكم ولو كنت أعلم أن قومي يتركونني أذهب إليه لتجشمت عناء السفر لزيارته.
ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه (1) .
هشام: وهل أسلم هرقل - يا أبي - ؟
الأب: لا يا هشام ...
لقد خشيَ ثورة الرومان - ومات على دينه.
هشام: ولكن كيف عرف هذه الأشياء؟