وحينئذ تخاذل اليهود والعرب، دب بينهم ودبيب الفشل، ومما زاد في فشلهم أن بعث الله عليهم ريحًا في ليلةٍ شاتيةٍ شديدة البرد، فجعلت تكفئ قدورهم، وتطرح آنيتهم، وقد قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلةً يصلي على التل الذي عليه مسجد الفتح، ثم يلتفت ويقول:"هل من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم"فعل ذلك ثلاث مراتٍ، فلم يقم رجل واحد من شدة الخوف، وشدة الجوع، وشدة البرد، فدعا حذيفة بن اليمان، وقال:"ألم تسمع كلامي منذ الليلة"قال حذيفة: فقلت: يا رسول الله منعني أن أجيبك الضر والقر، قال:"انطلق حتى تدخل في القوم، فتسمع كلامهم، وتأتيني بخبرهم، اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، حتى ترده إلى، انطلق ولا تحدث شيئًا حتى تأتيني"، فانطلق حذيفة بسلاحه، ورفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده يقول:"يا صريخ المكروبين، ويا مجيب المضطرين، اكشف همي وغمي وكربي، فقد ترى حالي وحال أصحابي"، فنزل جبريل وقال: إن الله قد سمع دعوتك وكفاك هول عدوك، فخر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ركبتيه، وبسط يديه وأرخى عينيه وهو يقول:"شكرًا شكرًا كما رحمتني ورحمت أصحابي"، وذهب حذيفة إلى القوم، فسمع أبا سفيان يقول: يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام لقد هلك الكراع والخف وأخلفتنا ينو قريظة وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من هذه الريح ما ترون، فارتحلوا فإني مرتحل، ووثب على جمله، وشرع القوم يقولون: الرحيل الرحيل، والريح تقلبهم على بعض أمتعتهم وتضربهم بالحجارة، ولم تجاوز عسكرهم، ورحلوا وتركوا ما استثقلوا من متاعهم، فلما رجع أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فضحك حتى بدت أنيابه في سواد الليل، وقال:"الآن نغزوهم ولا يغزونا". اهـ. ملخصًا من كتب السيرة، وقد بسط أهل السير في هذه الوقعة بما هو معروف، فلا نطيل بذكرها. انتهى انتهى {حدائق الروح والريحان. 22/ 406 - 428} ...