فالوحي {إليك} بهذا التخصيص. والمصدر {من ربك} بهذه الإضافة. فالاتباع هنا متعين بحكم هذه الموحيات الحساسة ، فوق ما هو متعين بالأمر الصادر من صاحب الأمر المطاع.. والتعقيب: {إن الله كان بما تعملون خبيراً} .. فهو الذي يوحي عن خبرة بكم وبما تعملون ؛ وهو الذي يعلم حقيقة ما تعملون ، ودوافعكم إلى العمل من نوازع الضمير.
والتوجيه الأخير: {وتوكل على الله ، وكفى بالله وكيلاً} .. فلا يهمنك أكانوا معك أم كانوا عليك ؛ ولا تحفل كيدهم ومكرهم ؛ وألق بأمرك كله إلى الله ، يصرفه بعلمه وحكمته وخبرته.. ورد الأمر إلى الله في النهاية والتوكل عليه وحده ، هو القاعدة الثابتة المطمئنة التي يفيء إليها القلب ؛ فيعرف عندها حدوده ، وينتهي إليها ؛ ويدع ما وراءها لصاحب الأمر والتدبير ، في ثقة وفي طمأنينة وفي يقين.
وهذه العناصر الثلاثة: تقوى الله. واتباع وحيه. والتوكل عليه مع مخالفة الكافرين والمنافقين هي العناصر التي تزود الداعية بالرصيد ؛ وتقيم الدعوة على منهجها الواضح الخالص. من الله ، وإلى الله ، وعلى الله. {وكفى بالله وكيلاً} .
ويختم هذه التوجيهات بإيقاع حاسم مستمد من مشاهدة حسية:
{ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه} ..
إنه قلب واحد ، فلا بد له من منهج واحد يسير عليه. ولا بد له من تصور كلي واحد للحياة وللوجود يستمد منه. ولا بد له من ميزان واحد يزن به القيم ، ويقوّم به الأحداث والأشياء. وإلا تمزق وتفرق ونافق والتوى ، ولم يستقم على اتجاه.
ولا يملك الإنسان أن يستمد آدابه وأخلاقه من معين ؛ ويستمد شرائعه وقوانينه من معين آخر ؛ ويستمد أوضاعه الاجتماعية أو الاقتصادية من معين ثالث ؛ ويستمد فنونه وتصوراته من معين رابع.. فهذا الخليط لا يكوّن إنساناً له قلب. إنما يكون مزقاً وأشلاء ليس لها قوام!