وقال القرطبي: الذي يظهر لي أنهنّ أمهات الرجال والنساء تعظيماً لحقهنّ على الرجال والنساء كما يدلّ عليه قوله: {النبي أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ} وهذا يشمل الرجال والنساء ضرورة.
قال: ثم إن في مصحف أبيّ بن كعب:"وأزواجه أمهاتهم ، وهو أب لهم"، وقرأ ابن عباس:"أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب وأزواجه أمهاتهم".
ثم بين سبحانه أن القرابة أولى ببعضهم البعض فقال: {وَأُوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ} المراد بأولي الأرحام: القرابات ، أي هم أحقّ ببعضهم البعض في الميراث ، وقد تقدّم تفسير هذه الآية في آخر سورة الأنفال ، وهي ناسخة لما كان في صدر الإسلام من التوارث بالهجرة والموالاة.
قال قتادة: لما نزل قوله سبحانه في سورة الأنفال: {والذين ءامَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حتى يُهَاجِرُواْ} [الأنفال: 72] ، فتوارث المسلمون بالهجرة ، ثم نسخ ذلك بهذه الآية ، وكذا قال غيره.
وقيل: إن هذه الآية ناسخة للتوارث بالحلف والمؤاخاة في الدين ، و {فِي كتاب الله} يجوز أن يتعلق بأفعل التفضيل في قوله: {أولى بِبَعْضٍ} لأنه يعمل في الظرف ، ويجوز أن يتعلق بمحذوف هو حال من الضمير ، أي كائناً في كتاب الله.
والمراد بالكتاب: اللوح المحفوظ أو القرآن أو آية المواريث ، وقوله: {مِنَ المؤمنين} يجوز أن يكون بياناً ل {أولوا الأرحام} ، والمعنى: أن ذوي القرابات من المؤمنين {والمهاجرين} بعضهم أولى ببعض ، ويجوز أن يتعلق ب {أولي} أي وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض من المؤمنين والمهاجرين الذين هم أجانب.
وقيل: إن معنى الآية: وأولوا الأرحام ببعضهم أولى ببعض: إلا ما يجوز لأزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم من كونهم كالأمهات في تحريم النكاح ، وفي هذا من الضعف ما لا يخفى.