وكأنما أراد أن يذكر سماحة نفوسهم بالمال ، عقب ذكره لسماحة نفوسهم بالإحسان. فهما من منبع واحد: منبع الاستعلاء على شهوة النفس ، والاعتزاز بما هو أكبر من قيم الأرض. الأولى في النفس ، والثانية في المال. وكثيراً ما يردان متلازمين في القرآن.
وصفة أخرى من صفة النفوس المؤمنة الصابرة على الإسلام الخالصة للعقيدة:
{وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه ، وقالوا: لنا أعمالنا ولكم أعمالكم. سلام عليكم. لا نبتغي الجاهلين} ..
واللغو فارغ الحديث ، الذي لا طائل تحته ، ولا حاصل وراءه. وهو الهذر الذي يقتل الوقت دون أن يضيف إلى القلب أو العقل زاداً جديداً ، ولا معرفة مفيدة. وهو البذيء من القول الذي يفسد الحس واللسان ، سواء: أوجه إلى مخاطب أم حكي عن غائب.
والقلوب المؤمنة لا تلغو ذلك اللغو ، ولا تستمع إلى ذاك الهذر ، ولا تعنى بهذا البذاء. فهي مشغولة بتكاليف الإيمان ، مرتفعة بأشواقه ، متطهرة بنوره:
{وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه} ..
ولكنهم لا يهتاجون ولا يغتاظون ولا يجارون أهل اللغو فيردون عليهم بمثله ، ولا يدخلون معهم في جدل حوله ، لأن الجدل مع أهل اللغو لغو ؛ إنما يتركونهم في موادعة وسلام.
{وقالوا: لنا أعمالنا ولكم أعمالكم. سلام عليكم} ..
هكذا في أدب ، وفي دعاء بالخير ، وفي رغبة في الهداية.. مع عدم الرغبة في المشاركة:
{لا نبتغي الجاهلين} ..
ولا نريد أن ننفق معهم وقتنا الثمين ، ولا أن نجاريهم في لغوهم أو نسمع إليه صامتين!
إنها صورة وضيئة للنفس المؤمنة المطمئنة إلى إيمانها.
تفيض بالترفع عن اللغو. كما تفيض بالسماحة والود. وترسم لمن يريد أن يتأدب الله طريقه واضحاً لا لبس فيه. فلا مشاركة للجهال ، ولا مخاصمة لهم ، ولا موجدة عليهم ، ولا ضيق بهم. إنما هو الترفع والسماحة وحب الخير حتى للجارم المسيء.