وهكذا جزما وقطعا. كلمة من الله لا راد لها ولا معقب عليها.. إن الذين لا يستجيبون لهذا الدين مغرضون غير معذورين. متجنون لا حجة لهم ولا معذرة ، متبعون للهوى ، معرضون عن الحق الواضح:
{ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله؟} ..
وهم في هذا ظالمون باغون:
{إن الله لا يهدي القوم الظالمين} ..
إن هذا النص ليقطع الطريق على المعتذرين بأنهم لم يفهموا عن هذا القرآن ، ولم يحيطوا علماً بهذا الدين. فما هو إلا أن يصل إليهم ، ويعرض عليهم ، حتى تقوم الحجة ، وينقطع الجدل ، وتسقط المعذرة. فهو بذاته واضح واضح ، لا يحيد عنه إلا ذو هوى يتبع هواه ، ولا يكذب به إلا متجن يظلم نفسه ، ويظلم الحق البين ولا يستحق هدى الله. {إن الله لا يهدي القوم الظالمين} .
ولقد انقطع عذرهم بوصول الحق إليهم ، وعرضه عليهم ، فلم يعد لهم من حجة ولا دليل..
{ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون} ..
وحين تنتهي هذه الجولة ، فيتبين منها التواؤهم ومراؤهم ، يأخذ معهم في جولة أخرى تعرض عليهم صورة من استقامة الطبع وخلوص النية. تتجلى هذه الصورة في فريق من الذين أوتوا الكتاب من قبلهم ، وطريقة استقبالهم للقرآن المصدق لما بين أيديهم:
{الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون ؛ وإذا يتلى عليهم قالوا: آمنا به ، إنه الحق من ربنا ، إنا كنا من قبله مسلمين. أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ، ويدرأون بالحسنة السيئة ، ومما رزقناهم ينفقون ؛ وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه ، وقالوا: لنا أعمالنا ، ولكم أعمالكم ، سلام عليكم ، لا نبتغي الجاهلين} ..
قال سعيد بن جبير رضي الله عنه نزلت في سبعين من القسيسين بعثهم النجاشي ، فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم قرأ عليهم: {يس والقرآن الحكيم} حتى ختمها ، فجعلوا يبكون وأسلموا ؛ ونزلت فيهم هذه الآية الأخرى: {الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون... إلخ} ..