ثم قال ابن القيم رحمه الله تعالى: [فصل] فإذا تأملت أحوال هذا الخلق رأيت هذا الاختيار والتخصيص فيه ، دالاً على ربوبيته تعالى ووحدانيته وكمال حكمته وعلمه وقدرته . وأنه الله الذي لا إله إلا هو ، فلا شريك له يخلق كخلقه ، ويختار كاختياره ، ويدبر كتدبيره . فهذا الاختيار والتدبير والتخصيص ، المشهور أثره في هذا العالم ، من أعظم آيات ربوبيته ، وأكبر شواهد وحدانيته ، وصفات كماله وصدق رسوله . فنشير منه إلى شيء يسير يكون منبهاً على ما وراءه ، دالّاً على ما سواه . فخلق الله السماوات سبعاً . فاختار العليا منها فجعلها مستقرَّ المقربين من ملائكته واختصها بالقرب من كرسيّه ومن عرشه . وأسكنها من شاء من خلقه . فلها مزية وفضل على سائر السماوات . ولو لم يكن إلا قربها منه تبارك وتعالى . وهذا التفضيل والتخصيص ، مع تساوي مادة السماوات ، من أبين الأدلة على كمال قدرته وحكمته ، وأنه يخلق ما يشاء ويختار . ومن هذا تفضيله سبحانه جنة الفردوس على سائر الجنان ، وتخصيصها بأن جعل عرشه سقفها . وفي بعض الآثار: إن الله سبحانه غرسها بيده واختارها لخيرته من خلقه . ومن هذا اختياره من الملائكة ، المصطفين منهم على سائرهم . كجبريل وميكائيل وإسرافيل . وكذلك اختياره سبحانه للأنبياء من ولد آدم . واختيار الرسل منهم واختياره أولي العزم منهم . واختياره منهم الخليلين إبراهيم ومحمدا صلى الله عليهم وسلم . ومن هذا اختياره سبحانه ولد إسماعيل من أجناس أنواع بني آدم . ثم اختار منهم نبي كنانة بن خزيمة . ثم اختار من ولد كنانة قريشاً . ثم اختار من قريش بني هاشم . ثم اختار من بني هاشم ، سيد ولد آدم محمداً صلى الله عليه وسلم . وكذلك اختار أصحابه من جملة العالمين . واختار منهم السابقين الأولين . واختار منهم أهل بدر وأهل بيعة الرضوان . واختار لهم من الدين أكمله ، ومن الشرائع أفضلها ، ومن الأخلاق أزكاها وأطيبها وأطهرها . واختار أمته