فجمعتْ المحكوم عليه في الشطر الأول والحكم في الشطر الثاني ، وعليك أنْ تعيد كلَّ حكم إلى صاحبه .
والليل والنهار آيتان متكاملتان ، وبهما تنتظم حركة الحياة ؛ لأنك إنْ لم ترتح لا تقوى على العمل ؛ لأن لك طاقة ، وفي جسمك مُولِّدات للطاقة ، فساعةَ تتعب تجد أن أعضاءك تراخَتْ وأُجهدَتْ ، وهذا إنذار لك ، تُنبِّهك جوارحك لم تَعُدْ صالحاً للحركة ، ولا بُدَّ لك من الراحة لتستعيد نشاطك من جديد .
والراحة تكون بقدر التعب ، فربما ترتاح حين تقف مثلاً في حالة السير ، فإنْ لم يُرِحْك الوقوف تجلس أو تضطجع ، فإنْ زاد التعب غلبك النوم ، وهو الرَّدْع الذاتي الذي يكبح جماح صاحبه إنْ تمرد على الطبيعة التي خلقها الله فيه .
ومن عجب أن البعض يخرج عن هذه الطبيعة ، فيأخذ مُنشِّطات حتى لا يغلبه النوم ، ويأخذ مُهدِّئات لينام ، ولو أسلم نفسه لطبيعتها ، فنام حينما يحضره النوم ، وعمل حينما يجد في نفسه نشاطاً للعمل لأراحَ نفسه من كثير من المتاعب .
لذلك يقولون: النوم ضيف إنْ طلبك أراحك ، وإنْ طلبته أعْنتك ، وحتى الآن ، ومع تقدُّم العلوم لم يصلوا إلى سرِّ النوم ، وكيف يأخذ الإنسان في هدوء ولُطْف دون أنْ يشعر ماهيتهَ ، وأتحدى أن يعرف أحد منا كيف ينام .
لذلك جعل الله النوم آية من آياته تعالى ، مثل الليل والنهار والشمس والقمر ، فقال سبحانه: {وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بالليل والنهار ...} [الروم: 23] .
ثم يقول الحق سبحانه: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ ...} .
تقدمت المناداة قبل ذلك مرتين ومع ذلك لا يوجد تكرار لهذا المعنى ؛ لأن كلَّ نداء منها له مقصوده الخاص ، فالنداء في الأولى خاص بمَنْ أشركوهم مع الله وما قالوه أمام الله تعالى: {رَبَّنَا هؤلاء الذين أَغْوَيْنَآ أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا ...} [القصص: 63] .