ألا ترى إلى إغزاء قريش المسلمين في أُحُد وغيرها وخاصّة الخَنْدق ، حتى أخبر الله تعالى عن جميعهم فقال: {إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأبصار وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا * هُنَالِكَ ابتلي المؤمنون وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً} [الأحزاب: 10 11] .
ثم إن الله ردّ الكافرين لم ينالوا خيراً ، وأمّن المؤمنين وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم ، وهو المراد بقوله: {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرض} .
وقوله: {كَمَا استخلف الذين مِن قَبْلِهِمْ} يعني بني إسرائيل ، إذ أهلك الله الجبابرة بمصر ، وأورثهم أرضهم وديارهم فقال: {وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأرض وَمَغَارِبَهَا} [الأعراف: 137] .
وهكذا كان الصحابة مستضعفين خائفين ، ثم إن الله تعالى أمّنهم ومكّنهم وملّكهم ، فصح أن الآية عامّة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم غير مخصوصة ؛ إذ التخصيص لا يكون إلا بخبر ممن يجب (له) التسليم ، ومن الأصل المعلوم التمسكُ بالعموم.
وجاء في معنى تبديل خوفهم بالأمن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال أصحابه: أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح؟ فقال عليه السلام:"لا تلبثون إلا قليلاً حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم مُحْتَبِياً ليس عليه حديدة"وقال صلى الله عليه وسلم:"واللَّهِ لَيُتِمّنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون"خرّجه مسلم في صحيحه ؛ فكان كما أخبر صلى الله عليه وسلم.
فالآية معجزة النبوّة ؛ لأنها إخبار عما سيكون فكان.
قوله تعالى: {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرض} فيه قولان: أحدهما: يعني أرض مكة ؛ لأن المهاجرين سألوا الله تعالى ذلك فوُعِدوا كما وُعِدت بنو إسرائيل ؛ قال معناه النقاش.