وقد اختلف علماء المعقول في محل العقل وماهيته اختلافاً كثيراً لا حاجة إلى التطويل بذكره {أو آذان يسمعون بها} أي ما يجب أن يسمعوه مما تلاه عليهم أنبياؤهم من كلام الله ، وما نقله أهل الأخبار إليهم من أخبار الأمم المهلكة {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار} قال الفراء: الهاء عماد يجوز أن يقال: فإنه ، وهي قراءة عبد الله بن مسعود ، والمعنى واحد ، التذكير على الخبر ، والتأنيث على الأبصار أو القصة ، أي فإن الأبصار لا تعمى ، أو فإن القصة {لا تعمي الأبصار} أي أبصار العيون {ولكن تعمى القلوب التي فِي الصدور} أي ليس الخلل في مشاعرهم ، وإنما هو في عقولهم أي لا تدرك عقولهم مواطن الحق ومواضع الاعتبار.
قال الفراء والزجاج: إن قوله {التي في الصدور} من التوكيد الذي تزيده العرب في الكلام كقوله: {عشرة كاملة} [البقرة: 196] ، {يقولون بأفواههم} [المائدة: 41] ، {يطير بجناحيه} [الأنعام: 38] .
ثم حكى سبحانه عن هؤلاء ما كانوا عليه من التكذيب والاستهزاء فقال: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب} لأنهم كانوا منكرين لمجيئه أشدّ إنكار ، فاستعجالهم له ، هو على طريقة الاستهزاء والسخرية ، وكأنهم كانوا يقولون ذلك عند سماعهم لما تقوله الأنبياء عن الله سبحانه من الوعد منه عزّ وجلّ بوقوعه عليهم وحلوله بهم ، ولهذا قال: {وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ} قال الفراء: في هذه الآية وعيد لهم بالعذاب في الدنيا والآخرة.
وذكر الزجاج وجهاً آخر فقال: أعلم أن الله لا يفوته شيء ، وإن يوماً عنده وألف سنة في قدرته واحد ، ولا فرق بين وقوع ما يستعجلون به من العذاب وتأخره في القدرة ، إلا أن الله تفضل بالإمهال انتهى.