حكى الثعلبيّ وغيره: أن البئر كان بعدن من اليمن في بلد يقال لها: حضوراء ، نزل بها أربعة آلاف ممن آمن بصالح ونجوا من العذاب ومعهم صالح فمات صالح ، فسمي المكان حضر موت ؛ لأن صالحاً لما حضره مات فبنوا حضوراء وقعدوا على هذه البئر وأمروا عليهم رجلاً ، ثم ذكر قصة طويلة ، وقال بعد ذلك: وأما القصر المشيد فقصر بناه شدّاد بن عاد بن إرم ، لم يبن في الأرض مثله فيما ذكروا وزعموا ، وحاله أيضاً كحال هذه البئر المذكورة في إيحاشه بعد الأنس ، وإقفاره بعد العمران ، وإن أحداً لا يستطيع أن يدنو منه على أميال ، لما يسمع فيه من عزيف الجنّ والأصوات المنكرة بعد النعيم والعيش الرغد وبهاء الملك ، وانتظام الأهل كالسلك فبادوا وما عادوا ، فذكرهم الله سبحانه في هذه الآية موعظة وعبرة.
قال: وقيل: إنهم الذين أهلكهم بختنصر على ما تقدّم في سورة الأنبياء في قوله: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ} [الأنبياء: 11] .
فتعطلت بئرهم وخربت قصورهم.
انتهى.
ثم أنكر سبحانه على أهل مكة عدم اعتبارهم بهذه الآثار قائلاً: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض} حثاً لهم على السفر ليروا مصارع تلك الأمم فيعتبروا ، ويحتمل أن يكونوا قد سافروا ولم يعتبروا ، فلهذا أنكر عليهم ، كما في قوله: {وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ * وباليل أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [الصافات: 137 ، 138] .
ومعنى {فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا} : أنهم بسبب ما شاهدوا من العبر تكون لهم قلوب يعقلون بها ما يجب أن يتعقلوه وأسند التعقل إلى القلوب لأنها محل العقل.
كما أن الآذان محل السمع.
وقيل: إن العقل محله الدماغ ولا مانع من ذلك ، فإن القلب هو الذي يبعث على إدراك العقل وإن كان محله خارجاً عنه.