وهذه الأَطوار التي نشاهدها في خلق الإِنسان، نشاهد مثلها في الحيوان والنبات، وينتهي الكل إِلى ممات، ولا يبقى سوى الديان {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُوالْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} .
{وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} :
هذا دليل آخر يسوقه الله تعالى حجة على أَن البعث حق لا شك فيه، والخطاب فِيه لكل ذي عينين ممن يجادلون في البعث وغيرهم، والمعنى: وترى أَيها الإنسان بعينيك - ترى الأَرض - يابسة لا نبات فيها فإذا اشتملت على البذور وأَنزلنا عليها الماءَ، دبت الحياة إِلى البذور، فأخرجت جذورها لتعلق بجوف الأَرض وتتثبت بها - كما علقت النطفة برحم الأُم وتشبثت منه بقرار مكين - وأَخرجت براعمها وأَشطاءَها فوق سطح
الأَرض، وقد اهتزت بذلك وعلت قشرتها، وأَنبتت من كل صنف حسن المنظر لذيذ الطعم طيب الريح، من مختلف أَنواع النبات والطعوم والأَشجار المورقة المثمرة، وشجيرات الزينة ذات المنظر المونق, والعبير الذي يشرح الصدور.
ولا شك أَن البعث يتجلي في النبات واقعيًا من آن لآخر, فإِنه كلما يبس ومات بعثه الله من جديد، بإِفاضة الماءِ على بذوره في جوف الأَرض، فتدب الحياة فيها، فتخرج جذورها لتستقر بها، وتنبت براعمها وأَشطاءُها محيطة بسيقانها بقدرة الله الحكيم الخبير، ونرى فيها من كل زوج بهيج مرة بعد أُخرى، فهل بعث الإِنسان بعد موته يختلف عن هذا في كثير أَو قليل؟ وصدق الله إِذ يقول: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} .
{ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (7) }
المفردات:
{الْحَقُّ} : الثابت الذي لا شك في وجوده.